لو كانت على زمن جدّي..!

لحظة.. لحظة من فضلك.. قبل أن تحكم علينا بأننا مع هذا اللون أو ذاك أو بأننا متوافقين مع برنامج هذه الفئة أو تلك من فضلك تابع قراءة المقال حتى النهاية كي توافقنا على ما نطرحه وقد تكون الفكرة مخبئة بين الحروف أو الكلمات وبالطبع هذا لا يعني أننا نخاف من قول الحقيقة فنحن خلقنا لنتحدث بصوت عال وجريء.. نعم نحن لا نجامل ونقول للأبيض أبيض وللأسود أسود علانية وبلا أي عملية تجميل أو إكسسوار وكي لا ينزعج منّا أشقاؤنا في القارة السمراء أقول بأنني قصدت بالأسود اللون الذي يستخدمه المواطن هذه الأيام في رسم أحلامه وأحلام أحلامه وأحلام أحلام أحلامه!

المهم كنت مع بعض الأصدقاء في زاوية من الساحة العامة في مدينتي ولم نكن نود الدخول في متاهات وتشعبات فالأحاديث والروايات التي بدأ بها صديقنا أبو سعيد الحزنان كانت تدل على أن النهاية لن تكون كالبداية فقد أحسست شخصياً أنه يسعى لفرض آرائه وقناعاته ونظرياته علينا بالقوة شئنا أو أبينا كيف لا وهو واثق من أننا لا نزال نحفظ له في عاطفتنا الكثير من الود والتقدير فالسيد سعيد الحزنان هو مدرّس لمادة التربية الوطنية وكان مشهوراً بجلسات التأديب والوعظ واستثمار كل دقيقة تزيد عنه عند شرح أي درس إضافة إلى سعيه الدائم لإغناء النفس البشرية بكل ما من شأنه أن يرتقي بها ولا أعلم لماذا ابتدأ حديثه عن الأنظمة والأجهزة طالما أن هذه الكلمة لها ما لها من حساسية وخصوصية عند البعض فالأنظمة التي كانت سائدة من قبل كنّا نصفق لها ونتغنى بها وبدقة عملها وإمكانية التعامل معها بكل يسر ويسر وحتى الأجهزة لم يكن لها في قلبنا أو عقلنا أي عداء أو كراهية بل على العكس كنّا نتغنى بها ونصفق لها ونحكي الحكايات عن ميزاتها وبرامجها التي تدخل الطمأنينة إلينا ولم نكن نعاني من أي ضيق أو حرج سواء أكانت معنا أم لم تكن.

السيد سعيد الحزنان لم يكن من قبل يسمح لأحد من أصدقائه أو أقربائه أو حتى أولاده أن يخوض معه في هذه المواضيع فهو يكرّس وقته لما هو أهم من ذلك من وجهة نظره أمّا أن يقف في وسط الساحة وعلى مرأى من أصدقائه والمارّة ويطالب بتغيير النظام فقد وقع هذا كالصاعقة على كل من سمع ورأى لدرجة أن بعض المارة لم يصدقوا ما شاهدوه وما سمعوه.

أنا من جهتي لم يكن لدي أي تعاطي مع الأجهزة ولم يكن النظام يعني لي شيئاً طالما أنني أمشي الحيط الحيط وأقول يا رب الستر ولا أخفيكم أنني كنت أتضايق جداً من بعض المواقف التي تضعني الصدفة أحياناً بها فأبدو كالأخرس وكالأعمى فأنا أكاد أكون الوحيد الذي لا يشارك في الروايات والقصص عن الأجهزة وعن النظام.

بعض الناس ينحاز لفكرة وقد تكون هذه الفكرة ليست صحيحة ولكن الموضة أو التيار هو الذي يفرضها فيسحب معه هؤلاء ولا يحق لنا أن ننكر حرية اختيارهم أو نعترض على قرارهم طالما أن هذه الفكرة قد لا تتسبب لنا بأي أذى وبنفس الوقت على أصحاب هذه الفكرة ألاّ ينكروا على أخصامهم – إن جاز التعبير- ما يرونه مناسباً من أفكار.

وبالعودة لمدرّس التربية الوطنية الأخ سعيد الحزنان وللسهرة وسط الساحة العامة فقد حاولت أكثر من مرّة أن أعترض على شرحه وتفسيره ونظريته في التغيير ولا أنكر أنني لست الوحيد في ذلك فصديقي مسعود الحافي على الرغم من علاقته وعشرته الطويلة مع الأجهزة والأنظمة حاول أن يوضّح له بعض الأفكار ولكن الأستاذ سعيد كان مصرّاً على ضرورة تغيير النظام لأنه لم يعد يتماشى مع الواقع الجديد ومع متطلبات العصر في ظل ما تشهده البشرية من خضّات وتلاطم ومد وجزر.

رن الهاتف الخليوي لصديقنا محمود الأقرع بنغمات تشبه صوت الكروان وعلى الفور أخرج هاتفه وخلال ثوان قليلة كان يتصفّح آخر الأخبار عن الاختراعات والابتكارات واستطاع أن يرى زوجته ويتحدث اليها وجهاً لوجه وبدأ السيد محمود يشرح ما قرأه كخبر عاجل على شاشة هاتفه الخليوي وهنا جنّ جنون الأستاذ سعيد الحزنان وعاد لما بدأه أول السهرة عن ضرورة تغيير النظام والأجهزة لأن جهازه الخليوي من النوع القديم الذي أكل الدهر عليه وشرب فهو لا يحوي كاميرا عادية أو كاميرا فيديو ولا مسجّل ولا (بلوتوث ) ولا برنامج معالجة صور ولا أغاني ونغمات بألوان وطعوم ونكهات متعددة ولا يمكنه أن يستعمل ما يسمى (الوتس أب) ولا يستطيع إرسال رسائل الوسائط وبينما كان الليل يجرجر سويعاته نحو المنتصف أمسك الأستاذ سعيد هاتفه الخليوي وقذفه باتجاه الوادي وأقسم أنه سيشتري جهاز هاتف حديث يستطيع من خلاله التواصل مع من يحب ويشتهي وأن يجري بواسطته كل العمليات التي تحويها الأجهزة الحديثة التي يمكن تحميل الأنظمة والبرامج عليها أسوة بمن سبقه إلى ذلك وغادر الساحة وهو يردد : لو كانت على زمن جدي لما مات باكراً!

العدد 1140 - 22/01/2025