الغامض من الداخل.. الحاقد من الخارج

الحياة أكبر من مدرسة، فهي أكاديمية متعددة الكليات والأقسام والتخصصات الأدبية والعلمية.. وكذلك البشر فهم أجناس وسلالات تتباين صفاتها وألوانها ومظاهرها الخارجية والداخلية.

وفي أحايين كثيرة، ومن المشاهدة الأولى للمظهر الخارجي لشخص ما، يمكنك أن تكتشف غناه الروحي وثروته الأخلاقية.. يمكنك أن تتوقع من رؤية تضاريس وجهه النزعة التعصبية عنده، ومن لباسه وهندامه تكتشف تفاؤله أو تشاؤمه وكيف يبني علاقاته الاجتماعية، ومعرفة حقده المدفون في أعماق نفسه أو سموّه ورفعته.. وأن تضع الاحتمالات التي يمكن أن يكون بعضها صائباً وبعضها الآخر خائباً.

هناك علاقة جدلية بين داخل الشخصية وخارجها، بين مظهريها البرَّاني والجوَّاني. وتتطور هذه العلاقة مع تطور الشخصية في مراحل العمر، بدءاً من الطفولة والمراهقة ثم الشباب والكهولة والشيخوخة. أي من المهد إلى اللحد!

ولم يأتِ كشف معالم الشخصية بسرعة كما يتصور كثيرون من عامة الناس، بل تحتاج هذه المسألة إلى سنوات، وربما إلى عقود من الزمن، وذلك حسب درجة غموض الشخصية أو وضوحها، ومعرفة ماذا تريد من وراء تصرفاتها الغيرية وسلوكها النشاز.. ويحصل معك ومعي ومع مئات الناس أن صديقاً يبدو ودوداً، محبّاً، مخلصاً، صادقاً، نشيطاً، غيوراً، ولكن تجربة واحدة بسيطة تكشف عن معدنه ومنجمه الداخلي وبركانه الذي سرعان ما ينفث حممه وقذائفه على أصدقائه. وإذا كان هذا الشخص مبدعاً (شاعراً أو ناثراً)، فهو يقدّم شخوص أعماله الروائية أو القصصية التي تحمل صفاته وأمراضه، وتعبّر عن مكنوناته الداخلية ونواياه وأسلوبه وطرائق حياته اليومية، وعلاقاته مع زوجته وأبنائه وكيفية تعامله معهم.

المفارقة كبيرة جداً بين الشخصية السوداوية المزاجية المحقونة بالحقد والسّم القاتل للجسد والروح، والشخصية الهادئة المحمية من الخارج بعلاقاتها مع الآخرين، بسياج من الطيبة والأخلاق الحميدة  والسلوك الرفيع والوعي والغيرة والدفاع عن الأصدقاء والتضحية من أجلهم.

إن المفارقة بين هذين النموذجين في الواقع المعيش، كالمفارقة بين الورد الطبيعي والورد الاصطناعي.. الأول له رائحة منعشة تملأ الروح وتنشّط الذاكرة، والثاني ليس له رائحة لأنه صنع من مادة بلاستيكية.. أوراقه يابسة ودون جذور، توضع في أحد أركان الصالون وتظل جامدة إلى الأبد. أما الورد الطبيعي الذي يقطف من الحديقة أو من أصص شرفة المنزل، فعندما تتيبس أوراقه يمكن للمهتمين بالزخرفة وعشاق  الورد خاصة أن يحتفظوا به لزمن طويل!

وتتداخل خيوط الشخصية الغامضة من الداخل والحاقدة من الخارج، ويصنع منها حصيرة مهما كانت ألوانها زاهية  ورسوماتها جميلة، لكنَّ عود ثقاب واحد يحولها إلى رماد.. وهي مثل هذه الشخصية التي إذا اكتشفت مراميها وأهدافها، سرعان ما تنحدر إلى الهاوية وتتحول إلى كومة من الخيوط التالفة.

وهذا النوع من الشخصيات الموجودة في الواقع، مثل شخصيات الرواية المصنوعة من الورق لا قيمة لها، فهي غير قادرة أن تتخذ أي موقف صائب أو الموافقة على أي قرار مصيري ينسجم مع روح الجماعة، وهي في النهاية شخصية كرتونية نهايتها في حاوية القمامة.

العدد 1140 - 22/01/2025