موجز تاريخ الفلافل
لو أن الفلافل قابلة للإنبات لوجدتَ على أجساد السوريين، والدمشقيين تحديداً، غابات من أشجار الفلافل معرشة وناشرة روائح الزيت المقلي المكرر عشرات المرات، والبهارات الشهية التي تجذب الجائع الفقير إليها، الجائع الذي حتى إذا ضحك الزمان له، لأيام، وتحسنت أحواله، وصار من الكائنات اللاحمة، بقي يحن إلى مرابع الطفولة والشباب، مطاعم الفلافل وبسطاتها التي تملأ المدينة مركزاً وضواحي وريفاً، بوصفها غذاء أساسياً للشعب العنيد..
على أبواب المدارس بمراحلها المختلفة، التعليم الأساسي بحلقتيه، والثانوي، تقف بسطات الفلافل منتظرة خروج الطلاب والطالبات الجائعين، وما إن يشموا رائحتها السحرية حتى يتزاحموا عليها، وفي بوفيه المدرسة أيضاً هناك تلك الأكلة السحرية التي تكاد تشكل إحدى مقومات الهوية المجتمعية لبلدنا.. يلوذ بها الطلبة الجائعون خلال الفرصة..
في مقاصف الجامعة أيضاً تحضر تلك الأقراص الشهية، التي تشكل أكثر مادة مستهلكة من قبل جيل المثقفين الثوريين وغير الثوريين.. كنا في الجامعة لا نكتفي بما نزدرده في مقصف الكلية، بل كان لدى كل منا محلّه المفضل ضمن خارطة مطاعم الفلافل في المدينة، الخارطة التي نحفظها عن ظهر معدة، أكثر مما كنا نحفظ خرائط توزع المكتبات وصالات المسرح والسينما والمعارض وأكشاك الصحف وبسطاتها.
وحين يستبد بنا الجوع في غرف المدينة الجامعية نسرد سيرتها، فيدبُّ الاختلاف الديمقراطي، بين مؤيد لفلافل المصري، ومتحمس لفلافل المعرض، وآخر للبسطة التي تقع في شارع خالد بن الوليد وتنافس كل المطاعم الرسمية في عدد زبائنها، أما فلافل بيسان التي ما تزال في الشعلان فكانت أقرب إلى الترف، فالسندويشة عندهم شهية لكنها صغيرة ولا تسكت جوعك، فكان أحدهم يأكل سندويشة من العيار الثقيل في مطعم عادي، ثم يمضي إلى فلافل بيسان ل (يتحلى) بسندويشة من عنده..
أصحاب المهن العاملين في أعمال البناء وتوابعه، باعة البسطات، شغيلة المحلات التجارية، فقراء المدينة إجمالاً ليس لهم إلاَّ الفلافل، وقد أدمنتها أمعاؤهم وصارت تطلبها إن غابت عنها لأيام، لسفر أو عطلة مع العائلة وطبخاتها المنزلية.
السؤال الخطير ألقاه أحدهم في وجهنا مرة ونحن نناقش الحتمية التاريخية، والدولة والثورة، ومهام الثورة الوطنية الديمقراطية إن وجدت، قال بلؤمه المعتاد: ماذا يحصل لو اختفت الفلافل من الشام فجأة؟
صفنَ الجميع.. أسرع احدهم إلى القول: سيموت شعب الشام جوعاً..
قال أكثرنا ثورية وتمرداً: سنطحن الحصى ونحيلها إلى طحينة فلافل.
قال الحكيم فينا: سيزرع أهل الشام ما تبقى من حدائق فيها وحتى حدائق المنازل بالحمّص ليعيدوا إنتاج الفلافل، لكنها ستصبح أغلى.. .
كانت السندويشة حينذاك بخمس ليرات سورية، ولا أتحدث عن زمن بعيد، كنا في أواخر الثمانينيات من القرن الفائت، ولم يكن يخطر ببال أكثرنا تشاؤماً أن تصبح رفيقتنا سندويشة الفلافل ب 75 – 100 ليرة مع تخفيف (المونة).
ثم جاء زمن سعيد، وصارت كذلك، لكنها بقيت صديقة الشعب المقهور..
جيش النازحين الكبير الذي ملأ الأجزاء الآمنة من دمشق صار في مهب الجوع، حتى الميسورين منهم بعد أن استنزفوا مدخراتهم، تحولوا إلى الفلافل، وصارت السندويشة أكثر دلالاً وأخف دعماً، صار الباعة يبخلون ب(لحسة) المسبحة على الخبزة التي سيفردون عليها أقراص الفلافل، وبالمخلل، أما البندورة فتكفي رائحتها، ولا تتحدث عن النعنع والطحينة وشرائح الليمون.
كان للفلافل دائماً مشروب مرافق، كازوزة الخمس ليرات تحولت بعد التطوير والتحديث إلى علبة كولا ب15 ليرة، والآن صارت بأم الميّة.. أو كاسة عيران باردة يدور فيها الخلاّط كانت بسعر الكازوزة، صارت لاحقاً علبة لبن عيران مختومة لا تدري محتوياتها بخمسة أضعافها، ثم قفزت إلى الخمسين.. لذلك استغنى الشعب في غالبيته المطلقة (يعني بحدود 97,99%) عن المشروب المرافق، وصاروا يبلعون اللقمة ويغصون بها ريثما يصلون إلى البيت الذي نزحوا إليه، وسكنوه مع أربع خمس عائلات قريبة، ليشربوا شاياً معتقاً بلا قرفة.. ويغنوا معاً: يا إلهي كم كنا سعداء؟!!!
ولنخرج معاً من جو الكآبة العام والشامل، سأسرد هذه الحكاية عن رجل كان يمر كل يوم على مطعم فلافل ويسأله: عندك ألف سندويشة؟.. فيرد صاحب المحل: لا!
وبتكرار سؤال الرجل، جهز صاحب المحل مرة ألف سندويشة بانتظار صاحبنا الذي جاء في موعده، وأعاد السؤال، فرد صاحب المحل متحمساً: إي موجودين..
فردّ الرجل ببرود: يااااه! كيف بدّك تصرّف كل هدول؟! وخرج من المحل تاركاً البائع في حيرته..