شرابك ظلام.. ونتاجك ضياء

يعتبر القلم من أهم وأخطر وأقسى وأرق ما اخترعه الإنسان عبر العصور، فلولاه ما وصلتنا الحضارات والأخبار وثقافات شعوب الأرض، فهو كأي شجرة طيبة، أغصانها الحروف، وثمارها المعاني.

(وخط القلم يقرأ في كل مكان، وفي كل زمان، ويترجم بكل لسان).

القلم سيف، وباستطاعة أي إنسان حمله، لكنه لا يخدم الجميع في كل وقت، محمله سهل واستعماله صعب وخطير، (فهو بيد السفيه كالخنجر بيد الطفل) وبيد الحكيم كنهر عذب.

ورغم صغر حجمه وهشاشة عظمه نراه قادراً على الوقوف في وجه الأعاصير، وصامداً في عين العاصفة، ينقلب بين أصابع الكبار قلباً نبيلاً  ووروداً حمراء، ونسراً كريماً لا يرتضي إلا القمم مسكناً له، جسده الثلوج، وأجنحته الرياح.

(إن القلم سلاح جبار، ولكن بعض الحمقى يقتلون أنفسهم به بسهولة أكثر من قدرتهم على قتل الآخرين.. يبدو القلم كصائغ الكلام يفرغ ما يجمعه العلم، وهو خادم جيد للإرادة، لايمل الاستزادة على أرض بياضها مظلم، وسوادها مضيء، إنه سفير العقل ورسوله الأنبل، ولسانه الأطول، وترجمانه الأفضل).

رأس القلم عين، لا ترى إلا إذا أدمعت فوق البياض، مثله مثل الجمر الذي لا يكون أكثر ضياء إلا إذا أحاطته العتمة الداكنة، وما أشبه القلم الشريف بنحلة، تجمع رحيق الأزهار ولا تعطي إلا العسل.

بأقلام المبدعين، يصبح للكلمة أجنحة وعيون، وأوزان ومعنى، لكنها تبقى مجرد وهم وخيال ما لم يمنحها القلم جسداً تحيا بداخله وتسكنه وتنام فيه، فكلمة جميلة فاتنة تبقى ضائعة، وشاردة إذا لم يمسكها القلم ويرسمها فوق الورق.

فالأقلام سبب رئيس لوجود الكلمات وبقائها، هي سر صمود الحرف وخلوده، يشاركها في ذلك أخواتها الأوراق البيضاء، فالورق الأبيض مثل المنزل الذي يستقبل الضيوف من عيون الأقلام.

إن القلم هو الباب السحري لأي شاعر مبدع ومفكر خلاق، باب يساعد المبدعين في إخراج الضوء والأغنية والقصيدة، وكل الورود التي يحملها المبدع في حدائق قلبه، تلك الورود الجميلة صاحبة العطر الخالد المأخوذ من تراب الأرض ومطر السماء.

لا يمكننا أبداً أن نتخيل مبدعاً من غير قلم في يده وورقة أمامه، أو مفكر وفيلسوف باستطاعته الاستغناء عن ذاك السيف الصغير الذي يدعونه قلماً، وتلك الدرع البيضاء التي يسمونها ورقة.

(وما من جرح أعمق من جرح يحدثه القلم، ففي حكم العظماء والفلاسفة أقلام أقوى من السيوف، وحيث لا تكفي الكلمة، يقوم القلم بما تعجز عنه، إن في القلم قوة، وفي الأفكار خلوداً، واتحاد القلم والأفكار يصنع التاريخ).

ما أعجب أمرك أيها القلم:

شرابك ظلام، ونتاجك ضياء، فبورك من يسيّرك أيها الجميل، وبورك من يقرأ حروفك!!).

العدد 1140 - 22/01/2025