تسريبات حكومية تثير القلق
التسريبات الحكومية، المتعلقة برفع أسعار بعض المواد الاستهلاكية المدعومة، كالمازوت والغاز والكهرباء، ومواد غذائية أخرى، في إطار رغبة حكومية لتخفيف عبء الدعم عن خزانة الدولة، تحت شعارات تبدو براقة ومحقة شكلاً، لكنها وهمية مضموناً، هذه التسريبات مهما نفتها الحكومة، فإنها كما نقلت بعض المصادر الاقتصادية ل (النور)، لها حصة من النقاش في أروقة الحكومة، ويجري إعداد ملفاتها الخاصة، لمتابعتها، واتخاذ قرارات تستهدف هذه المواد بالرفع، وزيادة أسعارها، بما يتناسب مع الأسعار العالمية.
ومادامت القضية مازالت مجرد تسريبات، وهناك جرعات متزايدة، لهذه التسريبات، تظهر تباعاً، ونشعر بها كل يوم، فهذا كما عودتنا الحكومات المتعاقبة، مؤشر مهم، على أن الاتجاه الحالي لحكومة الدكتور وائل الحلقي هو السير نحو اتخاذ قرارات مؤلمة، وقاسية، تمس حيوات المواطنين مباشرة، وتنعكس على كل القطاعات الاقتصادية. قرارات لها مفعول كبير لجهة تغيير الكثير من المعطيات الاقتصادية والاجتماعية، وقلب بوصلة الدعم، والتخلص نهائياً من قضية حملها الاقتصاد الوطني على كتفيه، مدة تجاوزت 60 عاماً، فكانت مصدر فخر للحكومات المتعاقبة، ومعياراً بارزاً في التقرب من الشارع، والجماهير، تلبيةً لاحتياجاتها. وأبرز بنود السياسات الاقتصادية والاجتماعية، التي كانت متبعة، كما أنه تنكر للنهج الاقتصادي الأسبق (الاقتصاد الاشتراكي) الذي عاش سنوات طويلة، مخنوقاً، بإجراءات تخالف ماهيته، وتعاند الأهداف المراد تحقيقها، وقفز فوق النهج الاقتصادي السابق (اقتصاد السوق الاجتماعي) الذي لم يتحقق منه سوى اقتصاد السوق، بنسخته الليبرالية المنقحة على الطريقة السورية، فأتى بنتائج كارثية، تفوق ما قدمته الليبرالية المتوحشة المطبقة في بعض البلدان. وغاب عنه الاجتماعي كصفة ملازمة كان لابد أن تظهر معالمها بشكل بارز وواضح، وتنعكس على أحوال الناس المعيشية. إضافة إلى أنه تجاهل للنهج الذي قدمه الدستور الجديد، والذي لم تتبلور معالمه بعد، لأنه مازال حبراً على ورق، نهجاً مع وقف التنفيذ، مادامت الأزمة السورية مفتوحة الأفق.
أي جرأة، وشجاعة، تمتلكها حكومة الحلقي، لتتخذ قرارات كهذه؟ هو السؤال الذي لن يجيب عليه أحد، ليس لأن القضية شائكة ومعقدة، كما أنها ليست قضية اقتصادية محاسبية، تتعلق بحجم ما يُدفع من فاتورة لهذه المواد، والعبء الكبير الذي يثقل خزانة الدولة، بل لأنها قضية اقتصادية بأسباب وجذور وتفرعات اجتماعية بحتة، يلعب فيها الطابع الاجتماعي دوراً أساسياً، نظراً للتاريخ الطويل لهذا الدعم، وحرمان الناس من الكثير من المكتسبات والاحتياجات الضرورية، تحت مسميات الرفاه. وعدم الاستفادة مما أنجزته الدول الأخرى التي تخلت عن هذا الدعم بشكل تدريجي، لتقليل حجم المنعكسات السلبية.
وصعوبة الإجابة على التساؤل، تكمن في أن قرارات كهذه، تشكل انقلاباً اقتصادياً، وسيراً في عكس الاتجاه العام السائد، وتنكراً لمبادئ الوقوف إلى جانب الفقراء، والطبقات الوسطى، وضعيفي الدخول، والتمترس إلى جانب الفئات الأخرى، التي لا يؤثر فيها قرار رفع أسعار هذه المواد، بشكل مباشر. ولا نعتقد أن مسؤولاً حكومياً، في الحكومة الحالية أو غيرها، مستعد لإعلان قرارات مرعبة اقتصادياً كهذه، مرعبة بمعنى حجم انعكاسها اجتماعياً، فهذه القرارات في حال اتخذت لابد أن يكون التمهيد لها على المستوى الوطني، لأنها قرارات لاتتعلق بأشخاص، ولا ترتبط بمراحل، بقدر كونها قرارات وطنية.
الفاتورة النفطية، وفاتورة الكهرباء، وفاتورة العجز التمويني، أبرز ثلاث فواتير، ترهق الاقتصاد الوطني، مالياً ومحاسبياً، وأكثر المطارح الاقتصادية التي يستهدفها الفساد، وفي الوقت عينه، أهم الفواتير التي لها منعكسات اجتماعية، وتشكل ضمانة بكل ما تعني الكلمة للفقراء والضعفاء اقتصادياً، وهذه هي الإشكالية التي يصعب إيجاد حل لها، لكن يمكن التوافق حولها، عبر استهداف من يستحقون، ودعم المتضررين، بشكل حقيقي، وليس مجرد كلام وتمنيات وتلميحات، وأن تكون إدارة هذا الملف بيد من يكون قادراً على اتخاذ قرار مقنع للناس.
القضية ليست بكم استوردنا، وبكم صدَّرنا، هي حتماً إلى أين نسير، وما شكل اقتصادنا القادم، وأي تنمية نريد أن نحقق، وإلى جانب من نريد أن نقف، وإلى أين نريد العبور؟ هذه الأسئلة، التي تحتاج إلى إجابات، واضحة، وصريحة، ومباشرة، قبل أن تسرب الحكومة معلومات بطريقة بدائية، مثيرة للشفقة، عن رغبتها في رفع الدعم، في توقيت غير مناسب.