جميل: جوهر المشكلة يكمن في العملية الإنتاجية

الاحتياطات الأجنبية وسعر الصرف… في ورشة عمل

 

بالتعاون بين كلية الاقتصاد بجامعة دمشق والجمعية العربية للبحوث الاقتصادية أقيمت ورشة عمل بعنوان (الاحتياطات الأجنبية وسعر الصرف وأثرهما على السياستين المالية والنقدية) وذلك يوم الأحد 21 نيسان في كلية الاقتصاد.

وأكد الدكتور قدري جميل نائب رئيس مجلس الوزراء للشؤون الاقتصادية وزير التجارة الداخلية وحماية المستهلك، في الورشة، ضرورة إيجاد التوازن بين الكتلتين السلعية والنقدية كخطوة أولى لحل موضوع اختلال سعر صرف الليرة السورية وتغيّره، منبهاً أن جوهر المشكلة يكمن في العملية الإنتاجية.

كما أشار النائب الاقتصادي إلى ما تعانيه الكتلة السلعية من انخفاض، مقابل ارتفاع الكتلة النقدية ما انعكس سلباً على سعر الصرف وارتفاع الأسعار ونسب التضخم، ودعا إلى الاستخدام العقلاني للاحتياطات المكونة من الثروات الفائضة المتراكمة تاريخيا، والتي تبرز أهميتها في ظل الحالة الراهنة التي تعيشها سورية. ومن جانبه بين وزير المالية الدكتور إسماعيل إسماعيل إمكانية (الحفاظ على قوة الاقتصاد الوطني في ظل الأزمة الحالية من خلال محاولة التقليل من الخسارة قدر الامكان والابتعاد عن زيادة موارد الدولة عن طريق زيادة الضرائب)، مشيراً إلى (أن الفساد ومشكلات الإدارة في مؤسسات القطاع العام أدت إلى عجوز تكفلت الدولة بتغطيتها مالياً، وبالتالي فقدت الدولة جزءاً مهماً من مواردها).

وعن جدوى انتهاج سياسة اقتصاد السوق الاجتماعي قبل أعوام رأى وزير المالية أن هذه التسمية لم يكن لها أساس نظري ولم تؤدِّ إلى حل المشكلة الاقتصادية، معرباً عن أمله بعودة الأمن والاستقرار إلى سورية لتأمين مناخ للعمل والإعمار.

وفيما يتعلق بهدف الورشة قال الدكتور منير الحمش رئيس الجمعية العربية للبحوث الاقتصادية: (إننا نلتقي لتبادل الرأي في أحد الموضوعات الاقتصادية والمالية والنقدية المؤثرة في عملية التنمية بوجه عام، والمتعلقة بتأمين احتياجات السكان، والمؤثرة في سعر الصرف للعملة الوطنية وعلى قوة الاقتصاد وتصنيفه الائتماني).

وأكد الحمش أن أهمية هذا الموضوع تزداد في ظل حالة الاضطراب السياسي وعدم الاستقرار التي تشهدها المنطقة العربية عموماً وخاصة في سورية ومصر، بسبب وجود تشابه كبير في المشكلات والأزمات التي يمر بهما اقتصاديهما.

وتابع رئيس الجمعية العربية للبحوث الاقتصادية قائلاً: (في مثل الحالات التي نمر بها تلعب الاحتياطيات النقدية الأجنبية دوراً هاماً على الصعيد الاقتصادي والمالي والنقدي، فهي إلى جانب مساعدتها في تأمين النقد الأجنبي اللازم لمواجهة احتياجات عمليات الاستيراد والوفاء بالالتزامات الخارجية وخاصة خدمة الدين العام، ومع انحسار عمليات التصدير والاستثمار الخارجي، فإن الاحتياطات الأجنبية تدعم الثقة في سياسات إدارة النقد وسعر الصرف بما يعزز القدرة على التدخل في سوق الصرف دعماً للعملة الوطنية، كما أنها تزيد من القدرة على امتصاص الصدمات الخارجية وتخفف من وطأة تأثير نزوح العملة المحلية أو تهريبها، وتراجع الاستثمار الأجنبي)، ومن هنا تنطلق أهمية الإدارة السليمة والحكيمة للاحتياطيات باعتبارها أحد مؤشرات قوة اقتصاد الدولة، وقدرتها على إدارة اقتصادها في ظل الأزمات، وبالتالي مواجهة المخاطر وضبط العديد من عوامل قوة الاقتصاد.

وبالنسبة لتكوّن الاحتياطات النقدية لفت الحمش أنه يتم تراكمياً عبر السنين، وينجم عن عوامل قوة الاقتصاد، وخاصة الإنتاج الصناعي والزراعي والخدمات، كما أنه حصيلة لسياسات اقتصادية ومالية ونقدية متجهة أساساً نحو التنمية وتعزيز قوة الاقتصاد، وهو ما يتطلب إدارة سليمة لهذه الاحتياطات تحافظ على سعر صرف عادل ومتوازن للعملة، يحقق الاستقرار النقدي ويحافظ على وتيرة معدلات النمو الاقتصادي.

وأشار الحمش إلى أن السلطة النقدية في كل من مصر وسورية استخدمت احتياطياتها الأجنبية خلال الأزمة التي تمران بها لمواجهة احتياجات الاستيراد من جهة، وكوسيلة للتدخل من أجل دعم سعر الصرف للعملة الوطنية من جهة ثانية، ما أدى إلى تراجع شديد في رصيد هذه الاحتياطيات مقابل تزايد الحاجة إلى القطع الأجنبي، كما أدى وجود عمليات تلاعب يقوم بها تجار العملة والمضاربين، إلى انخفاض شديد في سعر صرف الجنيه المصري والليرة السورية على نحو متسارع وشديد الوطأة من حيث انعكاسه إلى جانب عوامل أخرى على أسعار المواد والاحتياجات الأساسية للسكان، ما يزيد من الضغوط المعيشية على الفئات الفقيرة وحتى المتوسطة التي تدهورت أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية بسبب السياسات الاقتصادية الليبرالية المتوحشة. وفي هذه الورشة سيتاح لنا مناقشة أوسع لوضع الاحتياطيات الأجنبية وانعكاساتها على سعر صرف الليرة السورية، بعد تعرضها للمزيد من الضغوط ما أدى إلى انخفاض سعر صرفها تجاه العملات الأجنبية.

وأكد نائب رئيس جامعة دمشق لشؤون البحث العلمي والدراسات العليا الدكتور جمال عباس تشجيع الجامعة مثل هذه الورشات والندوات المفيدة للطلاب والمجتمع كله، والتي تؤكد استمرار أداء الجامعة لدورها العلمي الريادي ورسالتها الإنسانية، بتقديم توصيات تنعكس إيجاباً على السياسة المالية والنقدية للدولة على الرغم من الظروف الحالية.

وأشار عميد كلية الاقتصاد بجامعة دمشق الدكتور مصطفى الكفري أثناء افتتاح الورشة إلى أهميتها، فهي تضم نخبة من الاقتصاديين لمناقشة الأوضاع الاقتصادية وتحديد الإجراءات الواجب اتخاذها حكومياً، لإعادة بناء مناخ الاستثمار المحلي والخارجي ودفع عجلة الانتاج والنمو وزيادة موارد الدولة الدائمة الضريبية وغير الضريبية، وتوفير أدوات تدخّل مالية لتحقيق أهداف اقتصادية واجتماعية تتصل بإعادة توزيع الدخل القومي وإعادة بناء ما دمرته الأزمة، ومراجعة إدارة السياسة النقدية ورفع كفاءتها وتسخير مقدرات الشعب لمصلحته، مع التنسيق الجدي بين السياستين المالية والنقدية لمصلحة الوطن.

بين مصر وسورية

وقدم كل من الدكتور أكرم الحوراني والدكتور ياسر مشعل ورقة عمل بعنوان: (الاحتياطيات النقدية وانعكاسها على السياستين النقدية والمالية في سورية)، عرضا فيهما لمحة عن الاحتياطيات النقدية وكيفية تأثيرها في أدوات السياسيتين المالية والنقدية، إضافة إلى التعريف بسعر الصرف ونظرياته، كما لفت الباحثان في ورقتهما إلى إدارة أدوات السياسة النقدية عبر المصرف المركزي، وأشارا إلى مصادر الاحتياطات النقدية واستخداماتها وإداراتها.

وسلطت الورقة الضوء على قانون النقد الأساسي الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 21 لعام 2011 والقرارات الحكومية المتعلقة بذلك، ووضع الاحتياطيات النقدية في سورية، والسياسة المالية في سورية وتنسيقها مع السياسة النقدية، والوضع المالي في سورية، فقد بيّن الباحثان أنه يعاني منذ ربع قرن ضآلة الموارد العامة والموارد الضريبية وشبه الضريبية، بسبب تخلف النظام الضريبي في سورية وكثرة الإعفاءات فيه وقصور الإدارة الضريبية وكثرة فسادها وضعف أدائها، كما أن عدم جدية الإصلاحات المالية لزيادة الموارد العامة لتغطية حاجات الإنفاق العام المتزايدة والعجوزات التموينية، اضطر الحكومة إلى ممارسة سياسة إنفاق انكماشية لتقليص العجز الأمر الذي ولد آثاراً سلبية على النمو الاقتصادي ومستويات الأجور والبطالة، وتمكنت الحكومة من تكوين احتياطي نقدي نتيجة لارتفاع سعر النفط عام 2000 بلغ 24 مليار دولار وشكلت الواردات الضريبية 30% من الموارد العامة، ومازال العبء الضريبي في أدنى الحدود 15% من الناتج بسبب ضعف الإدارة الضريبية وتخلفاه. وقدم الباحثان عدداً من المقترحات للخروج من أزمة تراجع الاحتياطيات وإصلاح السياستين المالية والنقدية، منها أن تعمل الحكومة على إعادة بناء مناخ الاستثمار لتشجيعه ودفع عجلة النمو والاستقرار، إضافة إلى زيادة موارد الدولة الدائمة الضريبية وغير الضريبية بحيث تستطيع تغطية نفقاتها العامة المتصاعدة سواء الجارية أم الاستثمارية، وتوفير أدوات تدخل مالية لتحقيق أهداف اقتصادية واجتماعية إيجابية، تتصل بتحفيز وتشجيع الاستثمار وإعادة توزيع الدخل القومي عن طريق نظام ضريبي متطور، كاعتماد سياسة إنفاق جارية واستثمارية تلبي احتياجات الوطن على الصعد كافة، وإعادة النظر كلياً بالسياسة النقدية لرفع كفاءتها والحفاظ على مقدرات الشعب وتسخيرها لمصلحته، والتنسيق بين السياستين المالية والنقدية.

كما قدم الدكتور عابد فضلية ورقة العمل التي أعدها الدكتور نبيل حشاد عن الاحتياطيات الأجنبية وانعكاساتها على سياسة سعر الصرف والتصنيف الائتماني السيادي لمصر، مع إشارة خاصة إلى سورية، وبينت الورقة أهمية تراكم الاحتياطات كسياسة لسعر الصرف، وآلية قياس وتقييم كفاية الاحتياطات وفائضها.

كما تناولت الورقة صافي الاحتياطات النقدية في مصر، وكيفية تعامل المركزي المصري مع إدارتها، إضافة إلى أثر (ثورة 25 يناير) على تلك الاحتياطات والاستثمارات المصرية، وانعكاسها على ميزان المدفوعات المصري.

ومن ناحية أخرى بين الدكتور حشاد أهمية التصنيف الائتماني السيادي وفوائده وأهم منهجياته.

وبالنسبة لسورية بينت الورقة أن الاحتياطيات الأجنبية لمصرف سورية المركزي وصلت حسب النشرة الإحصائية للمصرف في نهاية الربع الأول من عام ،2010 إلى 215 مليار ليرة، بارتفاع مقداره 1,7% مقارنة بالفترة نفسها عام 2009 لكنها تراجعت بمقدار 7,2% مقارنة مع نهاية 2009.

وركزت مداخلات الحضور على كيفية تفعيل السياسة النقدية واعتماد سياسة حديثة لدعم استقرار أسعار الصرف تقوم على استهداف التضخم، أي التحكم بالأسعار الداخلية بشكل غير مباشر، وقد أثمر هذا الحل في العديد من الدول ثباتاً في أسعار الصرف، إضافة إلى ضرورة تفعيل العملية الإنتاجية لانعكاسها المباشر في تقليص صرف الاحتياطي الموجود.

يذكر أنه حضر الورشة عدد من الأكاديميين والباحثين والخبراء الاقتصاديين وطلاب كلية الاقتصاد بجامعة بدمشق.

العدد 1194 - 15/04/2026