تخلف التسويق لدينا يقضي على مزايا إنتاجنا الزراعي غرف الزراعة تضع معايير التسويق وتحدد نقاط ضعفه

مسألة التسويق الزراعي التي طرحت حالياً وسابقاً عبر الحكومات المتعاقبة لكن دون الوقوف على استراتيجية معينة إلى هذه اللحظة، مازالت تعاني جدلاً وأخذاً ورداً بين معظم الجهات دون فائدة. وأخيراً كان لوزارة الزراعة خطوة في هذا الاتجاه، إذ قامت مؤخراً بإطلاق مشروع خدمة معلومات السوق كجزء من نظام تسويقي عالي الكفاءة على الشبكة الإلكترونية، يهدف إلى ردم الفجوة في أسعار المنتج، والحد من تضخيم هامش ربح الوسيط، وتوفير البيانات الدقيقة واللحظية للأسعار وحالتها الآنية ومستوى العرض والطلب وحركة الصادرات والواردات، في المنافذ الحدودية والكميات الواردة للأسواق والصادرة عنها، والبرقيات السريعة عن حالات الحجر والمخالفات. إضافة إلى أنه يعمل على تحسين البنية التحتية لتصنيف المنتج والتعبئة الملائمة وسهولة الوصول إلى الأسواق ويوفر القنوات التسويقية ذات الكفاءة الجيدة ومنشآت التخزين.

التسويق ليس مقتطفات.. وليس محصولاً واحداً فقط

ولمعرفة مدى أهمية هذه الخطوة أجرت (النور) لقاء مع رئيس غرف الزراعة السورية محمد الكشتو، الذي رأى أن خطوة الزراعة الأخيرة بإطلاق البرنامج هو خطوة في الاتجاه الصحيح، رغم أن قضية التسويق وفق ما قاله الكشتو: لا يقوم على مقتطفات، بل يجب أن يبنى وفق استراتيجية وبرنامج محدد.

ولفت الكشتو إلى أن قضية التسويق هي مشكلة ثقافية، إذ ننتج ونسوق في حين يجب أن نسوق قبل الإنتاج، كما يجب أن نفرق مابين التسويق الداخلي والخارجي لا أن نجمع بينهما. فالمنتج الزراعي الذي يذهب إلى الأسواق الأوربية يجب أن يحاكي أذواق المستهلكين في تلك البلدان، فالمستهلك هناك ليس كمثله هنا، وذلك وفق الثقافة الاستهلاكية لكل بلد، وكذلك الأمر بالنسبة إلى المستهلك السوري الذي يختلف بطريقة استهلاكه من محافظة إلى أخرى.

وأوضح رئيس غرف الزراعة أن قضية التسويق لا تتم بأن نجتمع قبل أن ينتهي المحصول بأسبوع ونقول إن لدينا محصولاً ما سيجهز بعد فترة أسبوع وعلينا أن نسوقه. فهذا ليس تسويقاً لأن التسويق يكون قبل الإنتاج ، كما يجب أن يكون لدينا دراسات حول الأسواق الخارجية ومعرفة مدى حاجتها إلى المنتجات الزراعية السورية لتحقيق الهدف من التسويق، كما يجب التركيز على نقطة، وهي ضرورة أن ننتج ما نريد أن نسوق له.

ولفت إلى أن التسويق عبارة عن برنامج متكامل يبدأ منذ بداية تهيئة الأرض للزراعة، وصولاً إلى المنتج، ثم إلى المستهلك. إضافة إلى دراسة تأثير هذا المنتج على المستهلك النهائي، وهذا بالطبع يحتاج إلى استراتيجية وعمل ميداني، لا إلى عمل مكتبي.

كما أشار رئيس الاتحاد إلى الاجتماع الأخير الذي حدث في وزارة الزراعة حول قضية التسويق، لافتاً إلى أنه اجتماع مهم جداً، لأنه جمع بين العديد من الجهات المعنية. وهو الأول من نوعه، لأنه طرح العديد من الأفكار الجيدة، وكان هناك تشارك في طرح الرؤى. ولكن مشكلة التسويق الزراعي لا يمكن حلها باجتماع نوعي واحد فقط، لأن التسويق عبارة عن استراتيجية وليس محصولاً فقط.

وبيّن أن الاجتماع توصل إلى تشكيل لجنة لإعداد استراتيجية موسعة مع برنامج زمني لكل مرحلة، وفي حال توبع هذا الأمر فإننا نأمل أن نصل إلى  نتيجة مُرضية، فالظروف الحالية جيدة زراعياً والمؤشرات جيدة، وإنتاج الشعير جيد، والكمون أيضاً والحمص والعدس وجميع المحاصيل التي لا تحتاج إلى يد عاملة كثيرة.

السوق المشتركة فكرة جيدة

وبالنسبة إلى فكرة إقامة سوق مشتركة بين سورية ولبنان والعراق وإيران، والتي طرحها المركز الوطني للسياسات الزراعية في وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي، أوضح الكشتو أن هذه الفكرة جيدة، فنحن أكبر الرابحين زراعياً، والأقوى بين هذه البلدان. إذ إن 60% من صادراتنا الزراعية تذهب إلى العراق، وهي فكرة جيدة ولكن يجب دراستها دراسة دقيقة، لأنه يجب عدم تكرار الخطأ الذي ارتكب مع تركيا، ويجب أن تكون السوق متوازنة، أو نكون نحن الأقوى فيها، وفي هذه الأسواق نحن الأقوى.

وأكد الكشتو أن القطاع الزراعي هو القطاع الاستراتيجي، إلا أن هذا القطاع يعاني مشكلات التسويق المتمثلة بالنقل، سواء بالمطارات أو الموانئ أو الحدود، إذ إن المنتج الزراعي الطازج لا يحتمل الوقوف أياماً على الحدود، إضافة إلى أن التخلف بالتوضيب والتغليف والتعبئة وغياب الدراسات عن الأسواق المستهدفة. إذ لدينا سلع مميزة لا يستطيع أحد أن ينافسنا فيها، ولكننا لا نقوم باستغلال هذه الميزة، والقيمة المضافة في سلعنا مثل العواس وزيت الزيتون، فمثلاً نقوم بتصدير زيت الزيتون على شكل دوغما، إلا أنه في حال تعبئته فإن ذلك سيحقق قيمة مضافة أكبر للمنتج السوري.

يمكن أن نكون مصدِّرين للأعلاف بامتياز

وعن الخسائر التي نتكبدها نتيجة عدم نشر ثقافة التسويق بين المزارعين وعدم اهتمام الجهات المعنية به قال الكشتو: عدم المعرفة بالتسويق أضاع على الخزينة العامة وعلى الفلاح وعلى جميع الأطراف الكثير الكثير. فمثلاً من المعروف أننا نستورد الأعلاف ولكن في حال نظرنا إلى ما نملكه من ثروة علفية، فإننا نصل إلى نتيجة مفادها أنه لا داعي لاستيراد الأعلاف التي تكلفنا الكثير من القطع الأجنبي، فالمخلفات الزراعية تصل إلى 15-16 مليون طن، ولكننا للأسف نتلفها دون الاستفادة منها. وهو خطأ فادح. فعندما نوضّب هذه المخلفات ونجمعها فيمكن تحويلها إلى علف، والأمر لا يكلف سوى تجميعها فقط. وهناك مثال آخر فلدينا 100 مليون شجرة زيتون على مستوى سورية، ولنقل إن متوسط كل شجرة هو 10 كيلوغرامات من الأوراق الناتج عن تقليمها، ولدى جمعها فإن ذلك سيحقق ثروة علفية كبيرة. يمكن وضعها في خلطات علفية، ولكن ما يحدث هو أننا نحرقها، وكذلك الأمر بالنسبة إلى مخلفات القمح وغيرها من المنتجات الزراعية، وفي حال قمنا بتجميعها فإننا سنصبح مصدرين للأعلاف بامتياز لا مستوردين لها، لأننا نملك المادة الأولية ولكن لا نعلم كيف نستغلها. وبالطبع يحتاج هذا الأمر إلى معمل تقيمه الحكومة ليقوم بهذه الوظيفة، ويمكن تشجيع الفلاح على عدم حرق المخلفات الزراعية الناتجة عن محاصيله، وذلك بأن تمنحه الحكومة ثمن هذه المخلفات أي تشتريها منه وتحولها إلى المعمل. وبالطبع فإنه مع الزمن ستصبح الحكومة هي الرابحة، لأنها ستبيع هذه الأسمدة مرة أخرى إلى الفلاحين بدلاً من استيرادها.

وختم الكشتو بالقول: يجب أن نعمل بصدق وشفافية ونبتعد عن الشخصنة والفردية والرؤية المنفردة، فبلادنا يمكن أن تكون أغنى دول العالم من تطوير قطاع الزراعةوحده.

التحرك لإقامة معمل أعلاف ووضع استراتيجية تسويقية مدروسة..

بعد عرض السابق لابد من التنبيه إلى أهمية التحرك لتفعيل هذه الثروة التي نمتلك كل مقوماتها، ولكن للأسف لا نعمل على استغلالها، والسعي بأن تقوم وزارة الزراعة بإنشاء معمل خاص بالأعلاف لتجميع جميع مخلفات الإنتاج الزراعي وإعادة تصنيعها، مما يحقق وفراً كبيراً على الخزينة العامة للدولة بالنسبة إلى استيراد الأعلاف من الخارج. إضافة إلى أن هذا المشروع سيحقق عائداً كبيراً من استثمار هذه الثروة، كما أنه سيخلق فرص عمل كثيرة، وسيحقق فائدة إضافية للفلاح الذي سيبيع مخلفات إنتاجه الزراعي بدلاً من أن يحرقها دون فائدة.

كما لابد من تأكيد أهمية وضع استراتيجية تسويق زراعية شاملة لجميع المنتجات المتميزة في سورية، على أن تكون هذه الاستراتيجية مبنية على دراسة معمقة لجميع المنتجات المحلية، إضافة إلى الأسواق المستهدفة وأذواق المستهلكين المحليين والخارجيين. مع الإشارة إلى أن التسويق لا يكون بوضع المنتج ضمن مغلفات ونوضبه وننقله إلى الأسواق المحلية والخارجية، بل يعني أن ندرس ونتحقق ونستغل ضعف بعض الأسواق بمنتجات معينة وطرح منتجاتنا فيها وفق دراسات واستراتيجية مسبقة.

وكان وزير الزراعة أحمد القادري قد أوضح أن إطلاق مشروع خدمة معلومات السوق سيحقق كفاءة بالعملية التسويقية، ويفعِّل استخدام المعلومات والقرارات التسويقية، ويساعد على اتخاذ الإجراءات المناسبة لتوفير السلع بالسعر والجودة والنوعية المناسبة، ومتابعة حركة التجارة الزراعية، وانسياب سلعها واتخاذ القرارات المناسبة من أجل تعزيزها وفق البيانات اليومية وتطوراتها وزيادة شفافية السوق والتقليل من حدة تقلبات الأسعار الموسمية، والمساهمة في استقرار وتوزع الإنتاج. كما يسهم في وضع السياسات والخطط التسويقية بواسطة تحليل البيانات المجمعة.

العدد 1188 - 25/02/2026