حكومة اللجان… تقدم الوعود لمعالجة أسوأ أزمة معيشية تستهدف المواطن

تشتد الضائقة المعيشية على المواطن، وتبرز الحاجة الملحة لإنقاذ الحالة المتردية، والمتهالكة لحياة المواطن المعيشية. وحتماً لن تنفع التصريحات والوعود في حل هذا الملف المنتفخ والشائك، وكرة الثلج التي تكبر، رغم تأكيدات مجلس الوزراء، على مدى جلساته المتعددة الأخيرة، أن تحسين المستوى المعيشي يشكل أولية بالنسبة للحكومة.

المواطن السوري الذي أعياه التراجع الهائل في مستواه المعيشي، انتظر كثيراً أن تنتقل وعود حكومته، في هذا المجال، إلى واقع، وأن يخرج وزير ما، أو مسؤول بعينه، ويعلن إجراءً كفيلاً بإعادة جزء مما خسره المواطن في الفترة الماضية من دخله نتيجة لهيب الأسعار والغلاء الذي لم يترك أسرة إلا طرق بابها، ولا صاحب دخل إلا اقتنص جزءاً كبيراً مما يتقاضاه. والانتظار الطويل يبدو بلا  أفق، وبنهايات سرمدية، كما هي تماماً الوعود التي لم تتبلور، ولم تتحول إلى واقع، ولن تستطيع الوصول إلى  أصحاب المصلحة الحقيقية، في المدى المنظور على الأقل، لأنها مازالت مجرد أفكار ونوايا، وتحتاج إلى الكثير من العزم والإرادة لتصبح خططاً وبرامج تستهدف المواطن المغلوب على أمره.

 في كل جلسة أسبوعية لمجلس الوزراء، يكون المواطن على موعد مع الوعود الجوفاء، والخطابات التي لن تقدم له رغيف خبز إضافياً، أو سلة غذائية يومية بسعر عادل، تتناسب ودخله. ويكون أيضاً مع أحلام جديدة يبنيها، وينتظر تحقيقها، وتبشير بإجراءات قريبة تسهم في تحسين مستواه المعيشي، وتردم الفجوة السحيقة بين الدخل والنفقات. وهذه الحالة ليست جديدة، إنها استمرار لحالة قديمة كانت تتبعها الحكومات المتعاقبة التي تجاهلت عن قصد أو دونه، متطلبات المواطن وحقوقه، وطالبته بواجباته، وبالوقوف إلى جانبها لمساندة قراراتها التي غالباً لم تك شعبية، ولا تحقق المراد منها. ويمكن وصف الوضع المعيشي (بالمأسوي)، وضع بات لايطاق، ولا قدرة للمواطن على احتماله،  ولولا التكافل الاجتماعي المعروف لدى الأسر السورية، لشهدنا الآثار الخطرة للفقر، كالجوع الذي قد يغزو بعض المناطق ويهدد كيانات الأسر، وتقارير الأمم المتحدة تثبت ذلك، فهناك حاجة ماسة لماء الشرب والمساعدات الإنسانية من غذاء ودواء… إلخ، لمواجهة خطر الفاقة.

لم تكن الظروف عموماً مواتية للحكومة لتقدم ما لديها على صعيد تحسين مستوى المواطن المعيشي، وهذا تحدٍّ كبير يقف أمامها، لكنها استكانت له، وتركته يتمترس بوجهها بقوة، دون أن تقوم بتحريكه، أو الالتفاف عليه، أو زحزحته وخلخلته، وتحريك بناه القوية. وأبدت استسلامها على ما يبدو لهذا التحدي، وتصريحات كبار المسؤولين الاقتصاديين، تجزم بأن الأزمة في سورية من الناحية الاقتصادية لن تُحل قبل إنجاز الحل السياسي، أو تحقيق تقدم على هذا الصعيد. وهذا أكبر وهم يجعل المواطن يشتري الوعود من حكومته ومسؤوليه. إذ لايمكن إسقاط الجانب السياسي ودوره، لكن من غير المقبول أن تبقى الحالة تزداد تعقيداً وبؤساً من الناحية الاقتصادية، ويُترك تجار الأزمات، ومافياتها التي وجدت التربة والمناخ الخصب لعملها غير المشروع، يعملون بما تمليه مصالحهم، وبالشكل الذي لا يجدون قوة تمنعهم من استغلال المواطن المكبل اليدين، وأن ينتقل من تحت استغلالهم إلى رحمة الحكومة المفقودة.

هل بإمكان الحكومة أن تفعل شيئاً، تتخذ إجراء، لتحقيق ما تعد به، وتحسّن مستوى معيشة مواطنها الذي ائتمنها على مصالحه؟ مع كل حالات العجز الظاهرة، وكل محاولات التشكيك بدور الحكومة وقدرتها، وكل حالات الإحباط التي يشيعها كبار المسؤولين الاقتصاديين، لابد من انفراجة، ولابد من  عمل تقوم به الحكومة عبر مؤسساتها. وعلى سبيل المثال: لماذا لا تطلق حملات قوية تستهدف حالة المواطن المعيشية، وتضيق الخناق على مستغلي المواطن؟ كأسبوع الغاز، أوالخضار، أوالمواد الرئيسية اللازمة للمعيشة؟ تقدم هذه السلع بأسعار شعبية، وتوزعها على بطاقات العائلة وفي الأماكن التي يمكن الوصول إليها؟ ألا يشكل ذلك حالة من خروج الحكومة من شرنقتها التي لا تريد مغادرتها، أي تشكيل لجان تدرس وتدرس ولا تنتهي من الدراسة، وتقدم مقترحات تلو أخرى دون منفعة حقيقية، أو جدوى اقتصادية واجتماعية وقيمة مضافة في آن؟ ألا يعد تشكيل لجان للمحروقات في كل محافظة، دليلاً على أن حكومتنا الحالية هي حكومة لجان، وليست حكومة أفعال؟ كل قضية تشكل لها لجنة، ثم تنام اللجنة في العسل وتترك المشكلات تتفاقم وتنتفخ إلى حد الانفجار، لتعالج فيما بعد بتصريح أو وعد.

الدخول تآكلت، والرواتب تراجعت، وقدرة الليرة الشرائية في مستويات متدنية، والغلاء يفوق التصور، والسؤال: ألا يوجد لدى الحكومة أدوات اقتصادية فاعلة تستخدمها لمواجهة أعتى أزمة معيشية منذ ربع قرن؟

هامش: الحكومة إما أن تكون حكومة حقيقية، أو هي مجرد جهاز وظيفي مترهل، ولايوجد خيار ثالث.

العدد 1140 - 22/01/2025