إلى متى يصمد الراتب أمام رفع الدعم..؟! لا أحد يحكم الأسعار وربما القادم أسوأ..!

رفعت الحكومة السورية مؤخراً أسعار الغاز والبنزين لمعدلات لا تتماشى مع دخل المواطن، وجاء القرار بعد تناقل الكثير من الشائعات عن عزمها على ذلك. وأتى هذا الإجراء ضمن سياسة ترشيد الدعم التي اتبعتها الحكومة بغية تخفيف الإنفاق الحكومي. ومن جهة أخرى مازالت تؤكد ألا نية لرفع الدعم عن المواد الغذائية، الأمر الذي سمعناه كثيراً بالنسبة للمشتقات النفطية وسواها، فأتت تلك القرارات وسط أزمة سياسية انعكست على الفئات الهشة اجتماعياً واقتصادياً في البلاد، فأدت إلى تضررها وتوسع رقعتها بشكل كبير، فلم يعد بمقدور المواطنين الذين حافظوا على وظائفهم أن يسدُّوا رمقهم بدخلهم بعد أن فقدت الليرة قدرتها الشرائية وذابت قيمتها في مواجهة الدولار. ولكن ما حال من فقد وظيفته أو دخله؟! وخاصة أن أسعار الأسواق تسير صعوداً بين لحظة وأخرى، فالفواكه مثلاً أمست للتمتع بمنظرها وصار أكلها محرماً على أصحاب الدخل المحدود.

إن تفاقم العديد من الصعوبات والمشاكل ووصولها إلى مستويات كبيرة أدى لأن يدفع المواطن السوري العادي الثمن بتدني أمنه ومعيشته وعدم تمكنه من تأمين حاجياته، فتحمَّل أصحاب الدخل المحدود والفئات الفقيرة عجز الحكومة عن الاضطلاع بمسؤولياتها الاجتماعية، وعجزها عن كبح جماح الأسعار، في وقت لم يعد بإمكان الراتب أن يسد رمق صاحبه في تأمين احتياجاته الأساسية.

سياسات فاشلة

عامان ونيف من الأزمة السياسية وما رافقها من حصار اقتصادي انعكس سلباً على الوضع الاجتماعي، مصحوباً بقرارات عززت السياسات النيوليبرالية الفاشلة التي قادها النائب الاقتصادي السابق في العقد الماضي، فجاءت بمجملها محابية لمجموعة من المستفيدين والمستغلين، فابتلعوا الأخضر واليابس على حساب الكتلة الشعبية الكبرى المؤلفة من العمال والفلاحين الصغار وجميع العاملين بأجر الذين رزحوا تحت رحمة هؤلاء الطفيليين، ما أدى لتعمُّق الفرز الطبقي.

هذه السياسات التي حذر الكثير من خبراء الاقتصاد من مغبتها، والتي كان لها الدور الأكبر في تفجر السخط الجماهيري منذ آذار 2011 يُعيد الفريق الاقتصادي اليوم انتهاجها تحت مسميات جديدة وبأساليب مبتكرة، الأمر الذي أدى لأن يفقد المواطن السوري الثقة بسياسات حكومته التي لم تلتزم بالوعود التي قطعتها والشعارات الإصلاحية التي أعلنتها.

ضرورة وطنية

كل ما ذكر سابقاً دفع المواطن لأن يجلس منتظراً، ولسان حاله يقول: لابد أن تجد الحكومة حلولاً، وربما تضاعف الأجور، وخاصة بعد ازدياد الفجوة بين الأجور والأسعار. فبات تحسين الوضع المعيشي للمواطن ضرورة وطنية ليبقى السوري متمكناً من الصمود والوقوف في وجه الضغوط الداخلية والخارجية التي يحيكها أعداء الوطن، فإلى متى يظل منتظراً.. هادئاً..؟

يُذكر أنه وفقاً لمسح للمكتب المركزي للإحصاء عام 2011 بلغ متوسط الأجر الشهري في القطاع العام للمواطن السوري 17044 ليرة، وفي القطاع الخاص ،11267 وفي القطاع المشترك والأهلي والتعاوني 18158 ل.س. فإذا كان هذا المبلغ لا يكفي شيئاً عندما كان سعر صرف الدولار بحدود 50 ليرة سورية، فماذا يفعل المواطن إذ بات راتبه يعادل قرابة المئة دولار، خاصةً مع الغلاء المعيشي وظروف الحياة الصعبة. وأصبحت الوعود المتكررة للحكومة، والقاضية بضرورة الحفاظ على ثبات الأسعار وتشديد رقابتها على الأسواق، لا تعني شيئاً بالنسبة للمواطن السوري، لأن السوق هو من يقرر، والتجار أصبحوا هم أصحاب القول الفصل في هذا الغلاء.

ختاماً نحن نعي الضغوط الكبيرة التي تمر بها سورية، والتي ولدت تحديات ضخمة للحكومة لا تحسد عليها أبداً في معالجة الأوضاع الاستثنائية لإسعاف حياة المواطنين وتأمين غذائهم، ولكننا نرى أن تبحث الحكومة عن الحلول بعيداً عن الطبقات الكادحة وذوي الدخل المحدود، لئلا تنعكس هذه الإجراءات الرشيدة على المواطنين بمزيد من الضغوط والمعاناة، فلا يجوز أن نُحمِّل المواطن الفقير أوزار ما نمر به، ولتسعَ الحكومة إلى إيجاد مصادر تمويل جديدة ترفد بها الخزينة.

مع تأكيد على ضرورة مضاعفة المعاشات لمعدلات تنسجم مع مقدار التضخم والسعي لإيجاد آليات يستفيد عن طريقها الموظفون في القطاع الخاص والعاملون بمهن حرة من رفع المعاشات، الأمر الذي سيكون له الأثر الإيجابي في تعزيز صمود سورية.

وهنا نتساءل: إلى متى سيصمد الراتب أمام رفع الدعم وإعادة هندسته غير المتوازنة..؟!

العدد 1140 - 22/01/2025