الغربال
حثتنا الأزمة السورية خاصة والعربية بشكل عام، على البحث من جديد عن (غربال) ميخائيل نعيمة النقدي، لغربلة إفرازات الأزمة بعد أربعين شهراً على بدايتها، وعزل الحَبّ الصافي عن الزؤان، وذلك لمعرفة من هم فوق الغربال ومن هم تحته!
يرى نعيمة أننا في كلّ ما نفعل وكلّ ما نقول وكلّ ما نكتب إنما نفتّش عن أنفسنا. واليوم على مثقفي سورية أن يبحثوا عن أنفسهم، وأن يعرفوا أين هم من أزمة كونية ما تزال تعصف بالوطن وتهبّ رياحها على سورية من الجهات الأربع!
إن قاصري الرؤية من المثقفين أعلنوا صراحة، أن المثقفين السوريين هم أحد أسباب الأزمة.. وهذا القول يبدو أن قائليه أخطؤوا الهدف وابتعدوا عن الصواب. فالمثقفون السوريون من جميع الشرائح الاجتماعية والانتماءات الفكرية والسياسية قد انقسموا أو توزعوا إلى مستويات عدة: قسم ينفذ رغبات السلطة وشعاراتها على مدى عقود أربعة، وهؤلاء أكثر انتهازية ووصولية من غيرهم، وهم المستفيدون من المكاسب المادية والوظيفية. وعندما مدت الأزمة لسانها وأشهرت سيفها وكشرت عن أنيابها، أصبح معظم هؤلاء من المعارضين الأشداء وهم أول من تنكّر لأسياده، وتوزعوا في مغارب الأرض ومشارقها، وأخذوا دفعات مجزية على الحساب وأسسوا مراكز البحوث في مشايخ النفط والغاز، وأصدروا المجلات والجرائد وجلسوا في مكاتب وثيرة، في تركيا ودول أوربية وقرب البيت الأبيض وتحت عتبات الإليزيه، وأصبحوا من (روَّاد الديمقراطية وقادتها الأحرار).
المثقف الحقيقي هو المثقف العضوي، صاحب رسالة ثقافية وطنية مدافع عن هويته، وضد الاستبداد والقمع والاضطهاد، يتمايز عن غيره، بأنه يحاول (حسب غرامشي)، تقديم الأطروحات البديلة للنظام الاجتماعي القائم، وأنه يتقاطع مع مصالح الطبقة الأكثر تضرراً، فيأخذ دور المدافع عن حقوقهم والمساهمة في توعية وتنظيم الجماهير.. ويقول غرامشي: (كل طبقة أساسية تقوم بخلق وإعداد شريحة أو أكثر من المثقفين يوفر لها تجانساً ووعياً بدورها، ليس في المجال الاقتصادي فحسب، بل في المجالين السياسي والاجتماعي).
وقسم آخر من المثقفين السوريين اتخذ الوسطية قاعدة (ثابتة له)، فهو مع الكفة الراجحة يميل معها، ويحاول أن يحصل على اعتراف من السلطة، بأنه أصبح البديل عن هؤلاء المنافقين الذين أكلوا من الصحن ثم بصقوا فيه.
وقسم ثالث لم يغير موقفه الوطني الثابت، وظل صامداً في وجه المغريات والاتهامات ومدافعاً واثقاً بنفسه وبشعبه، عن الثقافة الوطنية التقدمية وعن القرار السيادي، وضد الفتنة الطائفية ومن يحركها ويقف وراءها في الداخل والخارج. ومدافعاً عن سورية (شعباً ووطناً) من أجل بناء سورية الجديدة العلمانية التعددية الديمقراطية.
لقد غربلت الأزمة السورية المركبة المعقدة، والأزمات التي حملتها الرياح من مغارب العالم العربي ومشارقه، التي عمّت معظم الأقطار العربية وبعض الدول المجاورة، قضايا كثيرة وكبيرة سياسية وثقافية واقتصادية واجتماعية، فسقط مثقفون في شباك الكذب والتهويش والإغراء المادي والذاتية والنرجسية والتعالي والفوقية… وبقي معظم المثقفين يعملون تحت سقف الثقافة الوطنية وتحت سماء الوطن، وهم الذين لن يتنازلوا عن الكلمة الصادقة الواعية، وعن قول الحقيقة وممارسة النقد وكشف الأخطاء ومحاربة الفساد والفاسدين والانتهازيين والوصوليين، وممن يبيع ويشتري في سوق ثقافة البترودولار الفاسدة، التي يروّج لها تجار الثقافة والأزمات في أسواق النخاسة.