نهب الشعوب.. والفساد..والواحات الضريبية وأوهام قادة العشرين
لم تكن الأزمة السورية بنداً وحيداً في جدول قمة العشرين التي عقدت مؤخراً في سان بطرسبرغ، والتي تضم الدول الثماني العملاقة، وعدداً من الدول النامية (الكبرى): كالبرازيل والأرجنتين والهند وتركيا وجنوب إفريقيا. فالهم الاقتصادي الذي يتلخص بتداعيات الانهيار الكبير في خريف ،2008 التي لا تزال حاضرة في اقتصادات الدول الرأسمالية والنامية على حد سواء، والمعضلة المتمثلة في ضبط التهرب الضريبي للشركات، وتهريب العوائد إلى الواحات الضريبية، أو الملاذات الآمنة كما يطلق عليها، شكلتا محور النقاشات في هذه القمة.
ورأت القمة في ختام أعمالها أن الانتعاش الاقتصادي الدولي يبقى (ضعيفاً جداً) بسبب الأخطار التي لا تزال قائمة، خصوصاً تلك (المرتبطة بالنمو البطيء في اقتصادات الدول الناشئة الذي يعكس تأثير تقلبات تدفق الرساميل والظروف المالية الأكثر صعوبة وتقلب أسعار المواد الأولية). ورأت القمة ضرورة احترام الولايات المتحدة تعهداتها بأن تنظر إلى الاقتصاد الدولي بشمولية، لا من منظور الحفاظ على مصالح اقتصادها المحلي فقط. وأقرت القمة تأجيل إلغاء الاتفاقات الحمائية من عام 2014 إلى عام 2016 رغم إلحاح البرازيل والأرجنتين اللتين تريان أن (هذه الاتفاقات تحد من توسع قطاعاتهما الإنتاجية). وأقرت القمة إجراءات جماعية للحد من التهرب الضريبي ونقل الأرباح الرأسمالية من جنة ضريبية إلى أخرى. كما اتفق المجتمعون على تبنّي (خريطة الطريق) التي أقرتها قمة دبلن لمجموعة الدول الثماني في حزيران الماضي الخاصة بدعم منظمة التعاون الاقتصادي، في تطويرها لإجراءات مكافحة الفساد، ومن ثم محاولة سد الثغرات في النظام المالي الدولي وفرض رقابة على الجنات الضريبية حيث تجري عمليات تبييض الأموال. تعهد زعماء دول المجموعة، بمعاونة الدول الناشئة في مكافحة التهرب الضريبي، وذلك بمساعدتها في اقتفاء أثر الأموال التي يخفيها مواطنوها في ملاذات ضريبية.
جاء قرار قمة مجموعة العشرين في اجتماعها الأخير بمكافحة (الواحات الضريبية) ليعيد طرح معضلة الفساد بالاستناد إلى نتائجها، لا إلى معالجة المقدمات التي أدت إليها. صحيح أن محاصرة هذه الواحات الآمنة يصعّب الأمور على كبار الفاسدين في العالم، لكن الأهم حسب اعتقادنا هو بذل جهد جماعي لتجفيف منابع الفساد والأسس التي يستند إليها .
إن الحصول على المكاسب بطريقة غير مشروعة ليس ظاهرة جديدة، إنها قديمة قدم انقسام المجتمعات الإنسانية إلى طبقات وفئات اجتماعية متباينة المصالح. ولا تقتصر على البلدان المتخلفة أو النامية، فهي موجودة في جميع الدول. لكن الفساد في الدول الديمقراطية يصطدم بالقوانين الواضحة التي تُسن في المجالس المنتخبة ديمقراطياً، إذ تتيح هذه القوانين لممثلي الشعب وهيئات المجتمع المدني الاطلاع على الملفات المالية والإدارية الخاصة بالشركات والأفراد. ورغم ذلك ظهرت إلى العلن فضائح كبيرة تورط فيها سياسيون وشركات كبرى.فعمليات الفساد – التشاركية – بين الشركات والحكومات (الديمقراطية) في الدول الرأسمالية رغم طابعها السري واقتصارها على القضايا الكبرى كالنفط وتجارة السلاح، كانت عاملاً هاماً من العوامل التي أطلقت عمليات الفساد في الدول النامية، إضافة إلى العامل الداخلي المتمثل بالأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتردية في تلك الدول، والتي تشكل تربة صالحة لتنامي عمليات الفساد.
لم يعد بالإمكان تجاهل الاقتصاد الموازي الكامن فيما يعرف بالواحات الضريبية، وهي تلك الجزر الصغيرة التي تمر فيها أكثر من نصف تجارة العالم، وأكثر من نصف جميع الأصول المصرفية، ونحو ثلث الاستثمارات الأجنبية التي تضخها الشركات المتعددة الجنسيات، إذ تُضخ عبر (الأوفشور) الوهمية التي تلتف على قوانين الضرائب في الدول الديمقراطية، وتتحرك بعيداً عن كل شكل من أشكال المراقبة المالية. وهي حسب تقدير (شبكة العدالة الضريبية) تضم ثروات قد تصل إلى 32 تريليون دولار، هذا دون حساب الأصول العقارية واليخوت وغيرها من أصول ثروات أقل من عشرة ملايين شخص، مخبأة في تلك الملاذات، وذلك من أصل ما يقدر بنحو123 تريليون دولار هي حجم ثروات العالم. إنه الاقتصاد الموازي للاقتصاد العالمي، إذ تعمل نحو60 جنة ضريبية آمنة،معظمها في منطقة الكاريبي، على المساهمة في النهب الممنهج لثروات شعوب العالم، خاصة شعوب العالم الثالث، عبر شبكة شيطانية من الفساد المالي وعمليات غسيل الأموال والتهرب الضريبي التي تتسبب في إنهاك الاقتصاد العالمي. إذ تشير تقديرات منظمة الشفافية الدولية إلى أن تلك المعاملات الفاسدة تسببت في خسارة وصلت إلى نحو ستة تريليونات دولار في العقد الماضي. (راجع ميادة العفيفي- صحيفة الأهرام المصرية)
للقضية وجه آخر، في البلدان النامية، إذ يمكن ببساطة شديدة الربط بين عمليات الفساد والأزمات الاقتصادية التي تعانيها هذه الدول، وخاصة بعد أن تقدمت الليبرالية الجديدة في نهاية ثمانينيات القرن العشرين ببرنامجها لإعادة هيكلة اقتصادات شرقي أوربا وبقية البلدان النامية الأخرى وفق اقتصاد السوق، وما سببه هذا البرنامج من مصاعب اقتصادية لهذه الدول شكلت بيئة مناسبة لاستشراء الفساد الفردي والمنظم. ووجدت السلطات الساعية للإصلاح نفسها في تلك الدول أمام معضلة كبرى، فهي لن تستطيع الانتظار لإقامة إدارة رشيدة في فترة قصيرة، وفي الوقت ذاته لا تطيق الصبر على الفساد المنظم داخل القطاع الاقتصادي والإداري. ورغم أن بعض الدول النامية أقامت أنظمتها الإصلاحية والديمقراطية، إلاّ أن الخلاص من الفساد ما زال يمثّل بالنسبة إليها إضافة إلى التخلف مشكلة المشاكل.
أما عن حجم الفساد في الدول النامية، والتي يبلغ عددها خمسين دولة، فقد أظهرت الدراسات التي قامت بها الأمم المتحدة، وهيئات دولية مستقلة أن المبالغ التي اختلستها القيادات الفاسدة بلغت 6ر1 تريليون دولار، وأن 40 مليار دولار ينهبها سنوياً الأشخاص الذين يشغلون أعلى المناصب في الدول الأكثر فقراً في العالم.كما يضيع نحو 25% من الناتج المحلي الإجمالي للدول الإفريقية بسبب الفساد سنوياً، أو ما تبلغ قيمته 148 مليار دولار. وقد أطلقت الأمم المتحدة بالتعاون مع المصرف الدولي مبادرة مشتركة حملت اسم (ستار) لمكافحة الواحات المالية الآمنة، كجزر (الكيمن) الخاضعة للتاج البريطاني، وإمارة لشتنشتاين، واللوكسمبورغ، ولمساعدة الدول النامية على استعادة ما يزيد على 6,1 تريليون دولار من الأموال والأصول التي اختلستها القيادات الفاسدة من مصارف تلك الواحات وصناديقها. إذ من الضروري عدم وجود ملاذ آمن لمن يسرق الفقراء.وتبين للأمم المتحدة أن استعادة 100 مليون دولار من الأموال المنهوبة تسمح بتمويل خدمات التلقيح والتحصين ضد الأمراض الفتاكة لأربعة ملايين طفل، وإيصال المياه النظيفة إلى 250 ألف أسرة، وتوفير العلاج لأكثر من 600 ألف شخص من المصابين بمرض الإيدز طيلة عام كامل.
قمة العشرين الأخيرة، كما سابقاتها، تحذر.. وتبين العواقب.. وتضيّق. لكن التهرب الضريبي.. وفساد الشركات المتعددة الجنسيات.. ونهب ثروات الدول النامية.. ووجود (الجنات الضريبية)، هي في صلب الأسس التي يقوم عليها النظام الرأسمالي.. وهي ستبقى حتى زوال استغلال الإنسان لأخيه الإنسان.