تحدي الإمبراطورية الاقتصادية
(نحن نظرنا إلى إمكانية إنشاء مصرف إنمائي جديد لمصلحة بلدان البريكس (BRICS) وبلدان أخرى على طريق التكامل الاقتصادي والإنمائي)، من مقررات اجتماع القمة الرابع لدول البريكس في الهند آذار 2012.
من هي هذه الدول المسماة بريكس؟ وكيف لها أن تنطق بأفكار كهذه من شأنها أن تعيد العالم إلى مفاوضات جديدة حول دور الدول في النظام المالي العالمي؟
من المؤكد أن الترجمة الفعلية لهذا الهدف المدعو إليه في الهند العام الماضي ستأخذ وقتاً لجعله واقعاً محسوساً، أو إنهائه كفكرة، مقابل قوة أكبر لبلدان مجموعة (البريكس) في المنظومة العالمية المالية والاقتصادية.
عودة إلى البداية، في العام 2006 عقدت اجتماعات غير رسمية في نيويورك لوزراء خارجية البرازيل، وروسيا، والهند والصين تحضيراً لجلسة رسمية في روسيا عام ،2008 وبعدها لقمّة إعلان إنشاء تكتل (البريكس) رسمياً بحضور رؤساء الدول المسماة في 16 حزيران 2009 في يكاترينا برغ في روسيا.
كان هدف هذه الاجتماعات تعميق علاقاتها الاقتصادية ووضعها في النظام العالمي. وكان أهم الأفكار التي طرحت في هذه القمة هو تعزيز وجود هذه البلدان في كل المؤسسات المالية والاقتصادية التي أنشئت بعد مؤتمر Bretton Woods عام 1944. لقد أدى ضعف دور هذه البلدان الناشئة اقتصادياً وبقوة في هذه المؤسسات، إلى التأثير المباشر على قدرتها المالية والسياسية عالمياً. فكيف لها أن ترضى مثلاً بضعف تمثيلها في صندوق النقد الدولي (مجموع التمثيل لكل دول (البريكس) لا يتعدى 60 في المئة من تمثيل الولايات المتحدة)، والمصرف الدولي، بينما قدراتها الاقتصادية تكبر على نحو أسرع وأهم من كل الدول الغربية الصناعية؟ أيضاً عدم قدرة عملاتها على منافسة السيطرة شبه الكاملة للدولار الأمريكي يحد من نفوذها الاقتصادي والسياسي (وهو فكرة مضمرة لدى العديد من الدول الناشئة).
دول مجموعة (البريكس) تحاول أن تقوي مكانتها في العالم المالي والاقتصادي لسببين: أولاً لأنها ترى نفسها القوة الاقتصادية الجديدة القادمة (الصين وحدها قادرة على منافسة الولايات المتحدة في الثلاثين سنة القادمة، فكيف لهذه البلدان مجتمعةً!). وثانياً: لأنها ترى أن عدم تكافؤ قدرتها التمثيلية عالمياً مع قدرتها الاقتصادية الناشئة الآن ستكون سبباً للفشل الاقتصادي والمالي لاحقاً.
القدرة الاقتصادية لدول مجموعة (البريكس) يمكن تلخيصها بالآتي:
1 – 55 في المئة من كامل النمو الاقتصادي العالمي تحوزه هذه المجموعة.
2- 30 في المئة من الاحتياطات العالمية موجودة لديها.
3- أعداد الشباب القادر على العمل يفوق بدرجة كبيرة المجتمعات الهرمة في الدول الصناعية.
4- وجودها على امتداد جغرافية العالم ووجود سوق استهلاكي كبير غير مستغل حالياً.
يضاف إلى ما ورد أعلاه، تلك القدرات الاقتصادية المميزة لكل من هذه البلدان.
فروسيا تعدّ سادس أكبر اقتصادات العالم وإمبراطورية الغاز القادرة على التحكم بأكثر من 30 في المئة من حاجات الغاز الأوربية، إضافة إلى تزويد زميلتيها في المجموعة الهند والصين بما تحتاجانه من النفظ والغاز لضمان استمرار نموهما الاقتصادي السليم.
إضافة إلى ذلك، فإن روسيا تعج بالمواد الأولية مثل المعادن والذهب (90 في المئة من التجارة مع الولايات المتحدة هي بالمواد المعدنية)، مع عدم نسيان الصناعة الروسية، وخصوصاً الدفاعية التي هي القاطرة الحقيقية لإعادة تنظيم الصناعة الروسية الكلية.
الصين هي ثاني أكبر اقتصادات العالم حالياً مع نمو يزيد معدله على 7 في المئة سنوياً منذ سنوات طويلة. الصين هي مصنع العالم وأكبر سوق استهلاكي غير مستغل كلياً. تصدِّر أكثر من تريليوني دولار سنوياً، مع نسبة دين عام ضئيلة نسبياً، مقارنة بحجم الاقتصاد الكلي (22 في المئة). وهي حالياً الدائن الأكبر للدول الكبرى (وخصوصاً الولايات المتحدة). بعض التقارير الاقتصادية ترجح أن تصبح الصين أكبر اقتصاد عالمي في السنوات القادمة.
البرازيل، سابع أكبر اقتصادات العالم، وأقرب البلاد النامية إلى الأنظمة الاقتصادية السائدة في البلاد الصناعية الكبرى. إحدى أكبر القوى العالمية في الزراعة وتربية المواشي، مع قدرة صناعية مميزة، خصوصاً في مجال الطيران والتعدين. القائد الاقتصادي الفعلي في أمريكا اللاتينية وهو ما برز أثناء الكساد الاقتصادي الذي هز العالم حين فشلت الدول الأخرى اقتصادياً (خصوصاً الأرجنتين)، بينما كانت البرازيل قادرة على النمو الاقتصادي المستمر.
الهند، من أول تسع بلدان اقتصادياً في العالم، ومكتب العالم الخلفي (Back office) في مجال المعلوماتية والتكنولوجيا. المصدر الأول للعمالة من كل المستويات، وهو ما يجعلها أحد أكبر المستقبلين للأموال المحولة من المغتربين عالمياً. لدى الهند أيضاً سوق استهلاكي نام يشكل أهمية استراتيجية كبرى لتسويق كل المنتجات المصنعة محلياً أو عالمياً.
جنوب إفريقيا تكمن أهميتها بأنها البلد الإفريقي الأكثر تطوراً اقتصادياً، مع قدرة على التأثير في كامل البلاد الافريقية الناطقة بالإنكليزية (وهو ما تحتاجه بلاد أخرى كالصين مثلاً). ما زال اقتصادها ينمو، خصوصاً صناعياً، مع نسبة عالية من المتعلمين من الأقلية البيضاء القريبة تاريخياً من أوربا.
مع كل ما تقدم. يمكن لأي باحث أن يرى أن هذه الاقتصادات تتكامل جغرافياً، ومن ناحية حاجاتها للمواد الأولية، ووجود اليد العاملة وأيضاً السوق الاستهلاكي الكبير. ما ينقص هذه البلاد هو القدرة على ترجمة هذه القوة الآنية والمستقبلية على المستوى العالمي. ولتستطيع فعل هذا يجب أن تكون قادرة على التجارة ما بينها (ومع الآخرين)، ووضع استراتيجيات مستقبلية لبناء مجتمعاتها كترجمة لنجاحها الاقتصادي.
ولكن كيف يكون لها هذا إذا كانت لا تستطيع التعامل بعملاتها الخاصة، ليس لأية من عملات دول (البريكس) القدرة حالياً على أن تكون عملة رائدة في التجارة العالمية؟
وأيضاً كيف لها أن تقوم ببناء استراتيجية تكامل اقتصادي مع غيرها عندما تكون قدرتها على التأثير في السياسة الاقتصادية العالمية معدومة فعلياً بحكم عدم تمثيلها الصحيح في المنظومة الاقتصادية العالمية وتالياً السياسية؟
هنا يمكن أن نفهم لماذا تجمعت مجموعة دول (البريكس) في ما بينهما لتحاول تغيير الواقع الحالي ورفع مستوى جهوزيات اقتصاداتها للوصول إلى مراكز تخولها أن تكون شريكاً حقيقياً في الاقتصاد العالمي، وربما أن تكون قائداً قادماً للمرحلة الاقتصادية في المستقبل. وهذا ما يفسر أهمية القرارات التالية التي اتخذت خلال اجتماع قمة (البريكس) في جنوب إفريقيا في آذار هذه السنة:
1 (نحن ندعو إلى إعادة النظر في المؤسسات المالية العالمية، لجعلها أكثر تمثيلاً لدول (البريكس) والدول النامية الأخرى).
2 (نحن ندعو إلى النظر الفعلي بأهمية عملة احتياط عالمية شاملة تدعم الاستقرار العالمي).
3 (لقد استقر الرأي أن باستطاعتنا أن نجمع مئة مليار دولار لدعم حاجات بلداننا المالية، وأيضاً إنشاء المصرف الإنمائي الجديد المقترح سابقاً).
الحلول بالنسبة لمجموعة دول (البريكس) واضحة إذاً: إما تغيير النظام المالي العالمي القائم حالياً لدعم مكانتها الاقتصادية (أي إعطائها حجمها الطبيعي في النظام المالي، مع ما يعني هذا من تحدٍّ للولايات المتحدة والدولار الأمريكي)، أو أنها ستنشئ نظامها المالي الخاص، ومن ثم تدعو الآخرين للانضمام إليها.
ما هي إمكانات الحلّين؟ وكيف لنا أن نقرأ العالم الاقتصادي والمالي في السنوات القادمة؟
هذا هو التحدي الجديد.
نقلاً عن (السفير)