لقمة العيش مستهدفة.. الخبز في سورية خط أحمر… ولكن!
تتعرض لقمة عيش المواطن للانتهاك، وتُستهدف بأشكال مختلفة، وتحاول بعض الأطراف والقوى دفع الضعفاء اقتصادياً إلى الرضوخ، ورفع اليدين، والامتثال لسياسة الأمر الواقع، بما تحمله من جبن، وبما تتضمنه من قهر وتراجع، في آن. وحده المواطن يواجه لجة الوضع الاقتصادي المتلاطم، لا معين له، ولا سبيل أمامه سوى المواجهة الجدية لكل ما يمس لقمة عيشه ومستقبله. ويعد الخبز من أكثر القضايا تشعباً في لقمة العيش، التي تتشابك فيها التداخلات الاقتصادية والاجتماعية، وفق حامل سياسي واضح. فالحكومة التي لا تنفك تعبِّر دائماً، أن الخبز خط أحمر، سعراً وجودةً، وأن الدعم الذي يتلقاه رغيف الخبز، سيبقى قائماً، وغيرها من الكلمات المنمقة والهادئة والمطمئنة، التي لم تعد تجدي نفعاً، أمام هذا الخواء، وما يُبيت له.
فسياسة الدولة الاقتصادية منذ أكثر من نصف قرن خلا، تعتمد في أحد أوجه تدخلها الاجتماعي على تقديم سعر الخبز مدعوماً للمواطن، وتحافظ على الدعم التمويني. لتأتي كل حكومة، على مر تاريخ الحكومات المتعاقبة، بتأكيد لون خط الخبز، الموسوم بالأحمر دائماً، وتضع دعم هذه المادة في سلة الإيجابيات التي تحاول إظهارها. فقضية الخبز، قضية وطنية بامتياز، وترتبط مباشرة بالأمن الغذائي، وهو قرار لا رأي للحكومات المتعاقبة فيه، بل هي منفذة للسياسات المتعلقة بالخبز، ومُطبقة للقرارات ذات الصلة بهذه المادة. لكن رغيف الخبز، لم يعد خطاً أحمر، كما يعتقد البعض، وعقدت عدة اجتماعات في الفترة الماضية، ناقشت موضوع الخبز، منطلقة من الدعم الذي يقدم، وركزت على موضوعة أكياس النايلون التي يُعبأ فيها الخبز، والتي تبين أن هناك خسارة تلحق بالمخابز الاحتياطية والآلية نتيجة بيع كيس الخبز بسعر محدد (نصف ليرة) بينما يصل سعره في السوق إلى أربع ليرات. وكانت الحكومة على مشارف اتخاذ قرار يقضي برفع سعر كيس النايلون، لكن الرياح جرت بما لا تشتهي بعض القوى، وجاء القرار بتحميل العجز التمويني كلفة كيس النايلون.
ومن حيث المبدأ، من غير المعقول أن يذهب الدعم إلى كيس النايلون، بينما رغيف الخبز يُفقد أحياناً من السوق، وتبقى جموع المواطنين أمام الأفران بانتظار ربطة خبز تسد الأفواه الجائعة، وتملأ البطون الضامرة. لم تكن المشكلة في سعر كيس النايلون، بل هناك مشكلة محاسبية في سعر الخبز، ولا تخفى على أحد الأصوات التي علت مؤخراً، لتشمل الزيادات في أسعار المواد المدعومة الخبز أيضاً، و راقت هذه المطالب للتيار الليبرالي في الحكومة، أو لأصحاب المواقف الداعية للاقتصاد الحر. لكن مشيئة ما، أطاحت بكل هذه الأمنيات، وبددت المخاوف الكامنة، وحافظت على الخبز خطاً أحمر سعراً، لكن ماذا عن تأمينه للمواطن؟
زاد استهلاك السوريين للخبز، وأكدت الإحصاءات الرسمية، أنه في رمضان الماضي زاد استهلاك الخبز بنسبة تجاوزت 10 بالمئة، مقارنة برمضان ما قبل الماضي. ويفسر أصحاب الشأن هذه الزيادة، بأن المواطن بات يعتمد على الخبز اعتماداً أكبر لسد مشكلة ارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية، علماً أن حصة الفرد من الخبز في سورية تعد من الحصص الكبيرة مقارنة بدول أخرى. ويجب العمل على تخفيضها. بالمقابل أشار البعض إلى ذهاب الخبز علفاً للحيوانات، فذهبت ثروة القمح التي تتحول إلى خبز إلى الثروة الحيوانية، بغير رغبة أو قرار مباشر للحكومة. ما دفع إلى مزيد من الضغوط على الموازنات المرصودة للخبز، والتي تجاوزت 200 مليار ليرة في الفترة الماضية، قيمة دعم الخبز، لاسيما أن كلفة إنتاج رغيف الخبز تتجاوز 75 ليرة، حسب المصادر الحكومية، والرقم مرشح للزيادة نظراً لتذبذب سعر الصرف.
واقع الخبز ليس كما يظن البعض، هو واقع مثير للتساؤل، بأن يتساوى الأغنياء مع الفقراء في الخبز؟ وأن يستغل بعض مربي الثروة الحيوانية البحبوحة بإنتاج الرغيف لتقديمه على طبق من ذهب لثروتهم تلك، فيتساوى المواطن والثروة الحيوانية بالدعم المقدم والمخصص للمواطن، نتيجة انحرافات وفساد واضحين في آليات توزيع الخبز.
تبرز مشكلة الخبز، بالتوازي مع مروحة متكاملة من المشكلات الأخرى التي تطول سلة غذاء المواطن. وفعلاً باتت الحالة لاتطاق، وثمة استهداف مبرمج لغذاء المواطن، الذي يتصدر أوَّليات الحكومة وفقاً لبيانها الوزاري. ويبدو الجوع والبرد يهددان المواطن في الفترة القادمة، على اعتبار أن ما مضى يمكن تجاهله. لكننا أمام خطر آت لا محالة في حال بقاء الوضع كما هو، أو في حال انزلاقه إلى الأسوأ أكثر من اللازم. خطر هائل، لابد من أخذه بالحسبان، والنظر إلى تداعياته بعناية. فالأمن الغذائي وفجوته المتسعة، أقسى من أي حرب أخرى تهدد السوريين بكيانهم ووجودهم ومستقبلهم. ومن الضروري المحافظة على سعر رغيف الخبز، وجودته، لأنه بوابة الدعم، و ما أثير حوله مجرد مقدمة أولية تهدد برفع هذه المظلة عنه.