غيض من فيض ما يشغل بال المواطن في طرطوس..!

لا أعتقد أنني أجافي الحقيقة إن قلت إن الوضع الذي فرض نفسه على المواطن السوري كان ومازال يشكل الهاجس الأكبر لتفكيره في كيفية الخروج من عنق زجاجة الأزمة، إضافة إلى تأمين مستلزمات البقاء والصمود. هذا المواطن الذي تحمّل وما زال يتحمّل في سبيل أن يبقى شامخاً في نظر نفسه بالدرجة الأولى وفي نظر الآخرين بالدرجة الثانية، لا يريد أن يعتاد على بعض المشاهد غير المألوفة في مجتمعنا، إذ إن بعض ما يعترض مسيرته اليومية من صور وأحداث تجعله أكثر قلقاً وخوفاً من القادم في ظل الغياب شبه الكامل لأجهزة الرقابة التي ما زالت على رأس عملها، ولكن مغمضة العيون عن كل ما يجري!

في هذا الريبورتاج سنسلط الضوء على بعض القضايا التي تستحق التوقف عندها في طرطوس..

آراء متعددة حول غياب نسبي لحليب الأطفال

ما لا يمكن السماح به ومن غير المعقول أن يصل الجشع ببعض أصحاب الرساميل ممن يستوردون مادة الحليب الخاص بالأطفال، إلى اللعب بمصير هؤلاء واستثمار حاجة الطفل للحليب، وإلا كيف نفهم ونفسّر انقطاع أصناف معينة اعتاد عليها الأهل وكانت مصدر ثقة يقدمونها لفلذات أكبادهم دون أي خوف؟ الأنواع المطروحة في الأسواق حالياً كما يتحدث بعض من التقينا بهم غير موثوقة وتؤدي في بعض الأحيان إلى عمليات إسهال وغير ذلك:

السيد إيهاب يوسف، والد لطفلين أحدهما لايتجاوز الأشهر قال: منذ نحو شهرين انقطعت أنواع الحليب التي اعتدنا عليها وكانت محل ثقتنا.. الحليب الموجود في الصيدليات كمياته قليلة.. هناك بعض من يملك القدرة على تأمينه شريطة دفع أسعار مرتفعة.. بعض الأطباء لا ينصحون بهذا الحليب.. أعرف بعض الأهالي تسبب إعطاء بعض أنواع الحليب المتوفرة في السوق لأطفالهم بشلل معوي.. (الكيكوز) مقطوع، وكذلك (نان 1) و(بيبيلاك)، وأعتقد أن السبب هو احتكاره في سبيل رفع سعره كبقية السلع، وهناك من يتحدث عن كميات كبيرة تدخل القطر ولكن أين تذهب تلك الكميات.. الله أعلم؟! الجهات المختصة غائبة تماماً في هذه المحافظة.. لم يعد لديّ ثقة بأي شيء سوى بالله وحده.. أوصيت أحدهم يعمل في صيدلية في لبنان، وقد أحضر لي علبتين ثمن الواحدة 4000 ليرة.. التقيت بأحد السماسرة داخل صيدلية، وقال لي إنه على استعداد لتأمين هذه الأنواع ولكن بسعر غال.. أطلب من الجهات المعنية بهذا الموضوع تأمين حليب الأطفال وعدم التلاعب بمصير أطفالنا حتى ولو ازداد سعره.

السيدة أم إبراهيم، لديها ثلاثة أطفال احدهم عمره خمسة أشهر، قالت بأنها تعاني من تأمين الأنواع التي كانت متوفرة في السوق وفجأة ومنذ حوالي شهرين انقطعت، وتضيف بأنها وجدت نفسها مجبرة على إعطاء طفلتها الحليب من الأصناف الجديدة المتوفرة في السوق ولكن كانت النتيجة أنها اضطرت للبقاء في المشفى لأكثر من شهر، بسبب إصابة ابنتها بما شخّصه الطبيب (شلل معوي).. أطلب من مديرية الصحة ونقابة الصيادلة في المحافظة عدم التساهل في متابعة هذا الموضوع فالطفل يجب ان يكون خارج دائرة الصراع.

الصيدلي قصي مصّة تحدث عن انقطاع بعض الأنواع منذ ما يقارب الشهرين مثل حليب نان وحليب غليكوز والبيبيلاك وكذلك الأمر حليب النيدو، وعدونا بتأمين البيبيلاك خلال أيام قليلة مع تسعيرة جديدة، بالتأكيد الحليب الموجود لدينا دخل بشكل نظامي وحصل على ترخيص بالاستيراد، وأعتقد أن انقطاع بعض الأنواع يعود إلى رغبة المستورد بزيادة أسعارها. هناك عدد غير قليل بات معتاداً على الأنواع الجديدة وبدأ بإعطائها للأطفال، ولكن كما هو معروف المواطن اعتاد لسنوات عديدة على أنواع محددة لكنها للأسف مقطوعة الآن. يفترض أن تكون هذه الأنواع موجودة في المستودعات الخاصة.

السيدة مها محمد تحدثت عن عدم ثقتها بالأنواع الجديدة المطروحة في الأسواق وأنها لجأت إلى تمديد حليب البقر وإعطائه لطفلها كما نصحها أحد الأطباء، وتضيف: لماذا يتوقف مستوردو هذه الأنواع عن استيرادها؟!. أعتقد أن مستودعاتهم متخمة بها ولكنهم يطمحون إلى رفع أسعارها أسوة ببقية السلع الغذائية.. ما يجري مسخرة ولم يعد لي ثقة بأي جهة من الممكن أن نلجأ إليها.

الصيدلي علي نصر تحدث عن انقطاع بعض الأصناف التي كانت محل ثقة المواطن نتيجة الدعاية أحيانا.هناك أكثر من نوع ومن الممكن أن يصاب أي طفل بإسهال نتيجة تغيير نوع الحليب وهذا أمر عادي..لا أعتقد أن انقطاع بعض الأنواع نتيجة الرغبة بزيادة الأسعار ففي عدة مرّات انقطعت أصناف متعددة من الأدوية وعادت للسوق بنفس السعر.. لا أعتقد أن لنقابة الصيادلة أي دور في هذا حتى ولو كان محتكراً فأصحاب المستودعات الرئيسية يكون جوابهم بأنه لا توجد في مستودعاتهم هذه الأصناف.

قصدنا عيادة أحد أطباء الأطفال في الدريكيش وسألناه عن حقيقة ما يقال بخصوص انقطاع بعض الأنواع وتسبب بعض الأنواع المطروحة في السوق بأمراض معينة كالشلل المعوي والإسهال، فكان الجواب بأنه من الممكن أن يحدث الإسهال للأطفال المعتادين على أنواع باتت مقطوعة وأجزم بان الأنواع المتوفرة في السوق مراقبة ومستوردة بترخيص وتخضع للفحص بشكل دقيق ومن المستبعد أن تكون هذه الأصناف هي السبب في ما يتعرض له الطفل هذه الأيام من إسهالات فالشتاء الذي اقتحم البيوت فجأة وعدم وجود مصادر التدفئة أعتقد أنها السبب الرئيسي في ذلك.. على كل حال لم نلاحظ لدى أي مريض من الأطفال بأن الحليب هو السبب فيما يعاني منه.

في نقابة الصيادلة بطرطوس لم نجد نقيب الصيادلة وكنا قد زرنا النقابة نحو الساعة الحادية عشرة والنصف، ولكن وجدنا أحد المعنيين في الديوان، فأكد لنا أنه لا علاقة لنقابة الصيادلة بهذا الموضوع، فوزارة الصحة هي المعنية بتأمين الحليب ومراقبة الأنواع الجديدة ومنح التراخيص للاستيراد.. عمل النقابة هو جسر ما بين الدولة والصيدلي ومسؤولون عن مراقبة أسعار الدواء وتلقي الشكاوى حول أي مخالفة.

المواصلات.. المواصلات

 تستمر معاناة المواطن الطرطوسي سواء أكان من أبناء المدينة أو كان من أبناء المناطق التابعة لمحافظة طرطوس ولاسيما الطلاب منهم الذين يدرسون في مدارس ومعاهد المحافظة والموظفون الذين ينتقلون يومياً منها وإليها من أزمة نقل حادة خصوصاً في أوقات الذروة، ومن تحكّم سائقي السرافيس التي تربط المحافظة مع المناطق التابعة لها، وإخضاع الركاب لمزاجيتهم وأهوائهم خصوصاً بعد زيادة سعر المازوت وعدم توفره. وهذه المعاناة الكبيرة التي يعيشها المواطن لا تقتصر على انتقاله من القرى والبلدات إلى طرطوس، بل يعاني منها من ينتقل ضمن المدينة أيضاً، أي من حي إلى آخر، ومن دائرة أو مديرية إلى أخرى، وذلك لعدم وجود وسائط نقل كافية لتقلهم إلى أماكن عملهم بسبب تضاعف عدد سكان المحافظة منذ بداية الأزمة وحتى اليوم وخروج عدد من الميكروباصات من الخدمة أو تغيير خطها وزيادة أجور النقل بشكل أصبح يشكل عبئاً حقيقياً على جيوب المواطن وجسده ونفسيته، وبالمقابل نجد أن السائق يشكو أيضاً من عدم توفر المازوت بسعره النظامي، وأنه يشتريه بأكثر من 150 ليرة، وهذا هو السبب في زيادة الأجرة عن التسعيرة الرسمية.

عماد محمود (موظف) تحدث بكثير من المرارة عمّا يحدث في كراج طرطوس: لا تقتصر المشكلة على الذهاب إلى طرطوس بل المشكلة الأكبر هي في العودة بعد انتهاء الدوام، فنحن نعاني الأمرّين في كراج طرطوس، حيث لا حسيب ولا رقيب وسائقو السرافيس قلّة منهم يدخل إلى الكراج، ومنهم من لا يدخل أبداً، في معظم الأيام لا نجد أياً من السرافيس العاملة على خط طرطوس الدريكيش مثلاً، وتبدأ رحلة الابتزاز من سائقي السرافيس العاملة على خطوط أخرى والتي تطلب زيادة في أجرة الركوب تصل إلى ثلاثة أضعاف أجرة الركوب التي يتقاضاها سرفيس طرطوس الدريكيش وكلما تأخر الوقت قليلاً تزداد الأجرة المطلوبة وتتضاعف، وما نخشاه أن يأتي اليوم الذي ندفع فيه أجرة العودة إلى بيوتنا مايفوق أجرنا اليومي، فإلى متى ستستمر هذه الحال؟! أعتقد أن كل مسؤولي المحافظة على علم بمعاناتنا ولكن لا أعلم لماذا لا يريدون وضع حد لهذه (الزعرنات) إن جاز التعبير.

أبو عيسى، سائق سرفيس، تحدث عن الأثر السلبي لارتفاع سعر المازوت وارتفاع بقية الأسعار كقطع الغيار وحتى الإطارات التي تضاعف سعرها ثلاثة أضعاف، وهناك شيء آخر يجب أن لا ننساه، وهو زيادة أجور الإصلاح، فالعامل الذي كان يكتفي عند تبديل الإطار مثلاً بمبلغ 300 ليرة أصبح يطلب منك 500 أو أكثر، وهكذا فكيف سنتدبّر أمورنا؟ وكيف سيكون معنا في نهاية الشهر القسط الشهري أو مصروف العائلة؟! أعرف أن الوضع صعب على الجميع، ونحن بالنهاية مواطنون ونعاني من الغلاء في أماكن أخرى كما يعاني منها بقية المواطنين.. الوضع صعب ولا أعلم إلى أي مدى يمكننا أن نتحمل أكثر.

اتصلنا لأكثر من مرّة بمفرزة الشرطة المسؤولة عن تنظيم الحركة في الكراج، ولكن لسوء الحظ لم نتمكن من التحدث إلى الشخص المسؤول، مع تحفظ من قام بالرد علينا على إعطاء أي جواب.. اتصلنا بقيادة الشرطة بطرطوس وأوصلنا القضية للسيد معاون قائد الشرطة، الذي وعد بحلها، (وهذه هي المرة الثانية) فوراً، مؤكداً أنه لا يسمح بمثل هذه المخالفات، وسوف يتحقق شخصياً من معالجتها.

في النهاية.. هناك الكثير الكثير مما يشغل بال المواطن، ولم تعد الأزمة هي الوحيدة التي تقض مضجعه، مع معرفته المسبقة بأنها احد أهم الأسباب لما يعانيه، ولكن وبالمقابل مايزعجه هو عدم الإحساس بالمسؤولية من قبل بعض المسؤولين الذين لا همّ لهم سوى ما يشبع كروشهم وجيوبهم، مستغلين انشغال الدولة بترميم ما يمكن ترميمه وتأمين الحد الأدنى من مقومات الصمود والاستمرار في ملاحقة الجماعات المسلحة التي استباحت كل شيء والقضاء عليها وإعادة الأمن والأمان إلى ربوع هذا الوطن، الذي نتمنى أن يعود قوياً معافى بأحسن مما كان..!

العدد 1188 - 25/02/2026