السطحية والبنيوية… ما بين التخدير والعلاج

التعمق في الأشياء يوصلك إلى دقائق الأمور وإلى التفاصيل المفيدة، والمرور على ظواهرها يضلِّلك ويجعلك تتوه في طريقك للتشخيص والحل. فقد تلفت نظرنا شجرة يانعة، ولكن بعد فترة نراها تموت لأن الدود نخرها، وكذلك قد نجد على وجه الصندوق بعض التفاح الطازج اللافت للنظر، وإن بحثنا في عمقه وجدنا أغلبه فاسداً. فالظاهر قد يكون مضللاً وبعيداً عن الحقيقة ويوصل إلى سلبيات كثيرة. ففي سيرورة الحياة بجميع أشكالها ومن أجل استمرارية التنمية وتوازنها واستقلاليتها، الأسس اللازمة لتقوية البنى الاجتماعية بجميع أشكالها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية، ومن أجل تماسك المجتمع على نحو يجعله قادراً على الوصول إلى تحقيق رغبات أفراده ومكوناته، على تنوعها، والوصول إلى الغاية الأساسية لأي مجتمع وهي الإنسان الذي هو غاية التنمية وأداتها، ولذلك يجب على المتابع والمراقب والراعي أن يرى بكلتا العينين، وبمنظار يكشف العمق قبل السطح.

وقد ترى الكثير من الأوساخ العائمة على السطح، ولكن عمق الجدول يكون نقياً نظيفاً، وقد لا تجد أوساخاً طافية، ولكن العمق يكون مليئاً بهذه الأوساخ التي قد تظهر فجأة وتعكّر المياه وتطلق الروائح الكريهة العفنة. وهكذا يكون حال الراعي الإيجابي الفعال بحيث لا ينخدع بما يظهر على السطح وإنما يبحث في الأعماق، فلا ينقاد وراء ظواهر اقتصادية واجتماعية تظهر بشكل مؤشرات كلية، وإنما يبحث ويتغلغل في العمق، فقد تكون هذه المؤشرات مضخمة أو مزورة، كما حصل في الكثير من الأرقام التي جرى تداولها في سنوات ما قبل الأزمة، لتمرير قرارات وفرض قوانين وبرامج بعيدة عن متطلبات الواقع السوري، وتقود إلى تهديم وتهشيم البنى القائمة، من أجل خدمة بعض الأشخاص على حساب الوطن والمواطن. فحل أي مشكلة يبدأ بالبحث عن أسبابها الحقيقية، ومعالجة كل هذه الأسباب بعلاجات تناسب كل جوانب المشكلة إن كانت مركبة، ولا يكون بالتخدير أو التضليل أو الهروب عبر التركيز على شكلها الخارجي، أو الابتعاد عنها بتضليل مبرمج رقمي، أو الكلام المبهم الذي يشخّص موضوعاً آخر أو الشكل النهائي للمشكلة للابتعاد عن الجذر الحقيقي لها، فتضليل كهذا يمارس للهروب من عمل مقصود تخريبي أو سوء أداء مفتعل، لتبرير الفساد أو التهديم.

الطبيب الماهر هو الذي يشخص المرض بدقة ويحيط به وبأسبابه وانعكاساته ويصف له الدواء المناسب الشافي، بدراسة عميقة متجذرة تاريخية، وهكذا في الأمور الاقتصادية الاجتماعية، فالباحث الخبير الوطني هو الذي يتغلغل في أعماق المشكلة للوصول إلى جذورها وليأخذ من الواقع حلولها حسب الإمكانات.

الاختباء وراء العموميات، كما حصل سابقاً،عندما أطلقنا في إحدى الندوات مصطلح (النمو الفقاعي) على أرقام النمو التي كان يتفاخر بها رئيس الحكومة  والنائب الاقتصادي، بوصفها تعبيراً عن النمو المحقق، فقد كان يختبئ خلف هذه الأرقام، للهروب من كشف هيكليته التي تعتمد على الاقتصاد الريعي، وعلى تشجيع الثقافة الاستهلاكية، بعيداً عن تكريس القطاعات الإنتاجية التي تؤدي إلى انعكاسات اقتصادية واجتماعية كبيرة. وبعد ذلك، ثبت أنه حتى الأرقام التي فاخر بها كانت مضخمة ومضللة، للسير بنهج اقتصادي هدام غير مناسب لبلدنا ولُبناها. وكذلك بتسليط الضوء على مايسمى (رفع الدعم) من أجل إعادة هيكلة الاقتصاد، بالتخفيف من أعباء هذا الدعم الموهوم، الذي ضُخّم إعلامياً، وقد ثبت كذب أغلب مبرراته، والتضخيم إنما كان  لإخفاء حجم أموال الهدر والفساد، التي كانت نحو1000 مليار ليرة سورية، وتشكل نحو30% من الناتج المحلي الإجمالي..

وكذلك ما وجدناه من اختباء حقيقي وراء الأزمة لتبرير الكثير من الأخطاء المفتعلة، والتي زادت بانعكاساتها من عمق هذه الأزمة وتجذرها وانتشارها، بتضخم مخيف للأسعار وزيادة الفقر والبطالة، ورفع مرافق منعكس مفتعل لسعر الدولار، وكذلك العودة إلى موضوع رفع أسعار الوقود بطريقة الصدمة الهدامة، لمحاباة البعض، على رغم أنه سابقاً وجدنا أن كلمة دعم ليست صحيحة، كما كانوا يدّعون، وكذلك تضخيم وتعدد الأرقام المعبرة عن الموضوع ولا يوجد رؤية واضحة عن أسلوب حسابه، ولم يؤخذ بالحسبان الانعكاسات القاتلة لهذه العملية زمن حكومة العطري  الدردري، التي انعكست بتضخم مريع وهجرة داخلية كبيرة وضغط على الخدمات في المدن الكبيرة، وفقر مدقع وجوع وبطالة قاتلة. وكذلك عندما نتكلم عن مشاكل ضخمة بشكل عام، مثل  الفقر أو البطالة، من دون معرفة التوزيع الجغرافي، لمعرفة الأسباب الحقيقية، والتوزيع العمري لمعرفة انعكاساتها، والتوزيع التعليمي لمعرفة كيفية تأمين فرص العمل ورفع مستوى التأهيل، كل هذا غيض من فيض مما كان يقوم به البعض سابقاً ويقومون به حالياً للتمويه أو التضليل، أو للهروب من المسؤوليات، الأمر الذي انعكس على البنى بكل أشكالها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، معتمدين مبدأ التضليل بالسطحية المفرطة، الأمر الذي هشم بنى المجتمع وأضعفه وسهل إشعال النيران التي كان يمكن تفادي أغلبها، ولولا الأمراض المزمنة لما استطاع الغرب الامبريالي بأشكاله وأطيافه كلها، التغلغل العميق والمؤثر، هذه الأمراض التي كانت السطحية في التحليل وسيلة للابتعاد عن كشفها وإيجاد العلاجات المناسبة لها

وكذلك كما كان يحصل عند التكلم عن الاستثمار ومعدله، وخاصة الأجنبي، بمعزل عن توزعه على المناطق، وما تأثيره على الاستثمارات المحلية والحرف وعلى القطاع العام والصناعات القائمة، وما الهدف السياسي وما تأثيره الأمني، وكذلك ما كان يحاك من كلام فارغ عن القطاع العام وصعوبة حل مشاكله، من أجل تخسيره وقتله، للسماح لبعض المتنفذين ببناء صناعات خاصة بهم، أو لاستيراد البضائع التي قد لا تجد سوقاً لها، إن بقي هذا القطاع، أو عند الكلام عن الإقراض المصرفي وحجم القروض، طبعاً قبل الأزمة، للتضليل عن البنى الحقيقية للقروض وما نتج عنها من سياسة استهلاكية أصبحت عبئاً وديناً على المواطنين، وسحبت الكثير من المدخرات التي كان من الممكن توظيفها في بنى إنتاجية بمختلف القطاعات.

 من ذلك كله نصل إلى نتيجة مفادها: العمق يعطيك صورة حقيقية واقعية للمشكلة، والسطحية قد تضلّلك أو تستخدم للتضليل.. وعلى من يريد البناء أن يتغلغل في العمق المجتمعي، وخاصة الاقتصادي، لانعكاساته على مختلف البنى.

أما من يرغب في السباحة على السطح، فقوة البناء لا تهمّه!

العدد 1195 - 23/04/2026