«مافيا» تتحكم في اقتصادنا وأسواقنا
خابت التوقعات من كل محاولات غرس الأمل والتفاؤل، بأهمية التسعير الإداري، وقدرته العارمة على وضع حد للأسعار المنفلتة، وضبط إيقاع السوق المحلية التي تغرد بمشيئة بعض التجار، والمتاجرين بالأزمة، وتبتعد كلياً عن توجهات الحكومة عامة، ووزارة التجارة الداخلية خاصة، وتحتفظ بعزفها المنفرد. وفشلت كل الجهود التي حاولت بث الطمأنينة في نفوس المستهلكين، وظهرت عقبات، ربما ستسهم في ترحيل هذا الملف إلى أجل غير مسمى، والعودة إلى المربع الأول، بخفّيْ حنين، في رحلة البحث عن المجهول، لمعرفة داء الغلاء، ودوائه الحقيقي.
وملف التسعير الإداري، كغيره من الملفات التي انتظرها المواطن، وهللت له الجهات الحكومية المختلفة، وبعد دنو وقت تطبيقه، وجعله أقرب إلى المنال، تبين أن كل ما قيل في هذا المجال لن يرى النور. فالقوى المتفقة في مصالحها الخفية، لاسيما قوى السوق وحيتانها الكبار، وقططها السمان، لن تسمح بمرور قرارات كهذه، ولن توافق على تطبيق ما يخدم مصلحة المستهلك، ويتعارض مع مصالحها الضيقة، ويعاند رغبتها العارمة في تكديس الثروة، وجمع المال من جيوب الفقراء، ونهب الضعفاء اقتصادياً، والاستحواذ على مقدراتهم، ودخولهم القليلة. وربما نكون أمام (مافيا) حقيقية، إذ لم يعد يكفي توصيف هذه القوى ب(اللوبي) ، ولا يمكن أن يفيها حقها، فالممارسات المخلّة بالمنافسة، والتركز الاقتصادي الذي تحرك خيوطه حسب مقاييسها ومصالحها، ينذر بتظهير(مافيا) أسواق حقيقية، ملامحها واضحة، وصفاتها بارزة، ودورها مرسوم، ووظائفها محددة، وتشكل الأزمة التي تعصف بالبلاد بيئة خصبة، ومناخاً مواتياً لتتجذر في اقتصادنا المتهالك، وتستحوذ على ما يمكن أن تستحوذ عليه، بقوة الاحتيال وفوضى الأسواق.
لابد من استبدال المصطلحات، نزولاً عند معطيات الأزمة الخانقة في سورية، فالمحتكرون المتحالفون مع أصحاب النفوذ والسلطة، باتت الحاجة الموضوعية والملحة تقتضي تسميتهم بأسمائهم العلنية الصريحة، أي (المافيا) المتحكمة بالأسواق. ولاضير في ضم الكثير من الذين تنطبق عليهم صفات الاحتكار والسلب والنهب، وضعاف النفوس والمتواطئين والمتاجرين …الخ، إلى قائمة قوى (المافيا) الاقتصادية في البلاد، التي وجدت، في الأزمة الاقتصادية المدمرة التي تجتاح سورية، فرصة لتعبر عن نفسها، ولاضير في توجيه أصابع الاتهام إلى الجهات التي تركت هذه (المافيا) تكبر، وتعرّش، وتتجذر في اقتصادنا، لأن التحالف الخفي هو المبرر المنطقي والموضوعي، لترك المافيا تتنفس الصعداء، وترسم ابتسامة لا يطلقها إلا الرابحون من الصفقات المبهمة، والذين يقتاتون على دماء الفقراء، بكل ما تعني هذه الكلمة من مجاز لغوي.
ماذا يعني أن يتجاوز سعر كيلو البطاطا في سورية 190 ليرة؟ وكيلو البندورة 150 ليرة؟ والبيضة الواحدة 25 ليرة؟ والقائمة تطول، والأسعار الفلكية والكاوية مستمرة في عملية صعودها الممنهجة، بغض النظر عن سعر الصرف، والتبريرات الرائجة التي تُعاملنا كمواطنين على أساس قصورنا العقلي المفترض، والصمت المطبق، والقبول الإذعاني، وتنظر إلينا ككتلة بشرية صماء، لا صوت لها، سلبية في المطلق، وقادرة على تقبل كل شيء، لأن البنى الفوقية التي نملكها هكذا تفترض معطلة تماماً، وقوانا المالية قادرة على التحمل والصبر وتسديد الفاتورة. أليس في هذا الغلاء، تجنٍّ، وجريمة اقتصادية، ورهاب قاتل؟ أليس من يقود كل ذلك – أفراداً أو مجموعات – يمثل (مافيا) حقيقية، تقتات على لحمنا ودمنا، وتعيش على أخطاء اقتصادنا؟ وفي المقلب الأخر، ألا يعد ما يجري في هذا المجال مرحلة مختلفة في طرائق النهب الممنهج للثروات والدخول؟ ألا يصنف التراخي في المحاسبة والردع جزءاً من التشاركية غير المعلنة والشراكة المخفية؟ وهل من الأخلاق الاقتصادية النبيلة أن تسكت القوى الحية عن الابتزاز الذي يتعرض له المواطن الضعيف المقهور المنكسر؟ بل هل بات ثمة قوى حية اقتصادية يلجأ إليها المواطن، في حالات الضعف التي يتعرض لها أمام موجات الابتزاز الهائلة التي تستهدفه؟
لايمكن إقناع مواطن بأن غذاءه بات في مهب الريح، إذ إن أسواقنا مملوءة عن بكرة أبيها بالسلع والمنتجات، وحكومتنا العتيدة تصر على إغراق الأسواق بالمنتجات، رغم مخالفة مصطلح الإغراق لقوانين الاقتصاد المعاصر، لكن من يستطيع الشراء؟ ومن يحدد الأسعار؟ ومن يحاسب هذه الحلقات المتعددة التي يمكن إطلاق صفة (مافيا) عليها بامتياز؟
إنه لمن الظلم ترك المواطن تطحنه هذه المافيا، ومن الصعوبة فيما بعد مساعدته على محاسبتها، ومن الخطأ الفادح النظر بعين الريبة والشك، إلى حقيقة هذه الطبقة التي فضحتها مفرزات الأزمة، وكانت تشكلت قبل ذلك بكثير، وفقاً لتسميات مختلفة أبرزها الشراكة في البناء والتنمية.