صراع طبقي في نيويورك
انتخبت مدينة نيويورك عمدة جديداً لها، يدعى بيل دي بلازيو. وهو يخلف في أوائل كانون الثاني المقبل مايكل بلومبرغ الذي حكم المدينة مدة 12 عاماً. ويعتبر ذلك تغييرا تاريخياً. يبلغ طول دي بلازيو ضعفي طول بلومبرغ المشهور بقصر قامته. لكن ذلك ليس كل شيء. يعتبر بلومبرغ أغنى شخص في نيويورك، أما دي بلازيو فيقيم في شقة متواضعة، وقد تم انتخاب بلومبرغ من قبل بعد حملة إعلامية ضخمة كلفته ملايين الدولارات، مما يوحي بأن ذلك الملياردير قد اشترى منصبه بماله. وقد بلغ إعجاب بلومبرغ بمنصبه بحيث جعله يعدل قوانين الانتخابات ليتيح لنفسه التجديد لولاية ثالثة.
صنع بلومبرغ من نيويورك مدينة حسب مزاجه. لقد فرض بلومبرغ المدخن السابق قانوناً يمنع التدخين في الأماكن العامة. ولأنه رأى أن البدانة تصيب قسماً كبيراً من سكان نيويورك، حاول منع المشروبات الغازية، والحد من تناولها. وقد أعاد تصميم الحدائق العامة، وبنى ممرات خاصة في الشوارع المكتظة لراكبي الدراجات الهوائية، وذلك للحد من تلوث هواء المدينة. حول بلومبرغ نيويورك إلى مدينة جميلة ونظيفة وصحية. كما انخفضت إيجارات الشقق في عهد حكمه لها، بحيث كان باستطاعة الموظف استئجار شقة حديثة بمبلغ أربعة آلاف دولار فقط.
يريد بيل دي بلازيو إنهاء كل هذا ووقفه. وقد أشار في حملته الانتخابية إلى وجود مدينتين في نيويورك. مدينة الأغنياء ومدينة الفقراء، معيداً إلى الذهن رواية ديكنز المشهورة (قصة مدينتين). رأى بلومبرغ نيويورك من أعالي بناياته التي تناطح السحاب. أما دي بلازيو فقد نظر إلى مدينته من شوارع هارلم الفقيرة. يعتزم دي بلازيو رفع الضرائب على الأغنياء كي يستطيع بناء مدارس وروضات جديدة للأطفال. ويريد دي بلازيو إنشاء مستشفيات حديثة وبناء شقق شعبية لأصحاب الدخول المتدنية. ويشبه دي بلازيو حالياً شخصيات المناضلين الاشتراكيين في بداية القرن العشرين. ويقول إن الفروقات بين الأغنياء والفقراء قد بلغت حدوداً قصوى اليوم. وهو يريد رفع مستوى معيشة العمال. وقد وجد أخصامه في تاريخه الشخصي ثغرة تتمثل في تأييده للثوار في بعض دول أمريكا الوسطى، ما يجعله (خائناً) بنظر اليمين المتشدد. ولكن ذلك لم يؤثر في انتخابه إذ حصل على 75 في المئة من الأصوات. وقد أيد الناخبون مطالب دي بلازيو في بناء الحدائق والمدارس والمستشفيات. لا يريدون ملكاً متوجاً مثل بلومبرغ. لقد اختاروا رجلاً يعمل من أجل الطبقة الوسطى والعاملة، متزوجاً من شاعرة سوداء، يرسل أولاده للدراسة في المدارس الرسمية.
كتب الصحافي الأميركي مايكل شيرر مقالة طويلة في مجلة (تايم) مشيداً ببلومبرغ الذي غيّر نيويورك ويريد تغيير العالم! ومن الجدير بالذكر أن ثروة بلومبرغ كانت في عام 2001 عندما بدأ منصبه في عمادة نيويورك 4 مليارات دولار وأصبحت اليوم 31 ملياراً. وهذا يفسر تكالب الأغنياء، على المناصب وعلى السلطة.