أزمة في إعادة الإعمار قبل حل الأزمة السورية

يأتي الحديث عن إعادة الإعمار، ووضع تصورات للمرحلة القادمة، التي أبرز سماتها، العودة للإعمار والبناء، وكأنه خارج الشرط التاريخي للأحداث الراهنة، ومخالف لأبسط القواعد الاقتصادية، فعن أي إعمار يمكن الكلام، وعن أي بناء يتحدث المعنيون، والصراع في سورية على أشده، وطبول الحرب مازالت تقرع؟ وكيف لعملية مهمة وضرورية  إعادة الإعمار  أن تبدأ ومازال الدمار هو السمة البارزة، والعنوان اليومي العريض، لحياتنا البائسة؟

ليس من قبيل المصادفة أن يهرب عدد كبير من المسؤولين من ذلكم الواقع الذي نعيشه، بكل خيباته الاقتصادية والمعيشية، والفشل في تنفيذ أي خطة حكومية تنقذ قطاعاتنا المنتجة، أن يهربوا إلى الأمام، وإلى المستقبل الأفضل، نزولاً عند الرغبة في رفع نسب التفاؤل لدى الناس، وطمأنتهم بشكل أو بآخر، بأن نصرنا على الأزمة الراهنة قريب. وهي عادة حكومية قديمة، تتركز فحواها على القفز فوق المراحل، وتخطّيها بالكلام، رغم أن أسوأ أزمة تعرض لها اقتصادنا المحلي، ودمرته، وخربته، مازالت مستمرة، وآفاقها مفتوحة، وإتيانها على كل مقدراته يفرض تحديات هائلة. فهل صحيح أننا على أبواب إعادة الإعمار، قبل القول إن الأزمة وضعت أوزارها؟ بات ملحاً علينا، الوقوف الحقيقي أمام ما يجري، وتحديد موقع اقتصادنا من الأزمة الراهنة والصراع الدامي، الذي لن تكون كل التقديرات المتعلقة بحجم الخسائر قادرة على إعطاء هذه المرحلة القاسية والمدمرة والمميتة حقها، وستفتقد معظم الدراسات الدقة والموضوعية، لأن هناك واقعاً لا يمكن تصور حجم الدمار والخراب الذي أصابه؟

ثمة عدد لايستهان به من المسؤولين، انجرفوا مع تيار إعادة الإعمار، وبدؤوا يزرعون الأمل في نفوس الناس، بأن كل قضايانا السابقة، إضافة إلى ما ولّدته الأزمة، هي في طريقها للحل والمعالجة، عقب انتهاء الأزمة في سورية، وفي لحظة صمت آلة الصراع العسكري، وتوقفها عن الدوران. هذه الأمنية التي لا مجال لنكران ضرورتها، وليس من بد للرضوخ لسطوتها المهمة والاستراتيجية، لا يمكن التعامل معها، قبل أن تأتي، ولا يمكن القبول بها، وهي مازالت بعيدة المنال، محكومة بشروط عدة، ويكثر اللاعبون الذين يحركونها ويمدونها بشروط الاستمرارية.

وفي خطوة مثيرة للتساؤل، رصدت الحكومة 50 مليار ليرة لإعادة الإعمار في مشروع موازنة 2014 مقارنة ب 30 ملياراً في موازنة العام الجاري، وتبدو التسمية الحقيقية لهذه الاعتمادات، والأكثر موضوعية ودقة، هي صرف تعويضات للمتضررين من الأزمة، وشتان ما بين المفهومين، لأن اختلاف التسميات يفسد الغاية من الاعتمادات والأهداف المرصودة لأجلها.  ويقطع وزير العمل الوعود بأن مرحلة إعادة الإعمار، ستؤدي إلى خلق 160 ألف فرصة عمل، وتستوعب بالتالي العاطلين عن العمل في المحافظات، في تورية واضحة لحجم البطالة الحالية، التي يعترف الجميع بارتفاع نسبها، لكن لا يمكن تحديدها بدقة، نظراً لتعذر إجراء المسوح الاحصائية. فهل الغاية من المرحلة المقصودة، معالجة البطالة، بعد أن أنتجت الحرب الدمار والخراب؟ وكان وزير الادارة المحلية كشف في أيار الماضي عن دراسة  لتدريب 200 ألف مواطن على مهن يدوية لإعادة الإعمار بعد الأزمة. لايمكن أن يكون العمل هو القربان، كما لايمكن أن يكون الفقر وحده هو السبب الكامن خلف ما يجري، رغم تداخل الاقتصادي بالاجتماعي بالسياسي، كشروط ومقدمات أولية لاندلاع الأزمة الراهنة في 2011. كما أن تقديرات الإسكوا، وطاولتها المستديرة التي عقدت مؤخراً في بيروت، بمشاركة حكومية، لا تخرج عن هذا السياق، إذ إن استعدادات فريق الإسكوا الفني للمشاركة بخبراته، في مرحلة إعادة الإعمار، تأتي من باب الأمنيات التي تضعها الشركات، والنوايا الحسنة للوقوف إلى جانب الشعب السوري المكلوم، بواقعه أولاً، وبكل الذين غذّوا منابع الحرب عليه بأشكال مختلفة ثانياً.

بالمقابل، يبدي بعض الباحثين الاقتصاديين، أو من يسمون أنفسهم باحثين، قدرة خارقة على تحديد حجم الاحتياجات في مجال إعادة الإعمار العقاري، ويحسبون الكلف، وأمتار الرمل والبحص، وأطنان الإسمنت، وغيرها من مواد لازمة لبناء العقارات المهدمة، ويقدرون عدد اليد العاملة المطلوبة ب 6 ملايين عامل، كما يقدرون عدد المنازل التي أصابها الدمار، في وقت يصعب فيه تعداد هذه المنازل. ومن باب المعجزات تقدير عدد العقارات المدمرة من تلك التي لم يلحقها الأذى، كما أنه من المستحيل حالياً معرفة واقع العقارات في مناطق ساخنة جداً، ومن الصعوبة الاعتماد على دراسات سابقة رسمية أو غير رسمية، وذلك بالاستناد إلى حالة اقتصاد الظل، والبناء العشوائي والمخالف الذي لم يوثق رسمياً، ولا توجد وثائق تثبت مساحاته، وحالته الراهنة آنذاك. فكيف لباحثين الاعتماد على الخيال لوضع تقديرات أشبه ما تكون بخيال الظل، والتقديرات الجوفاء؟

إعادة بناء ما خربته الحرب، وإعمار ما دمرته، مرحلة لابد أنها آتية، وينتظرها الجميع للخلاص من هذا الواقع المؤلم، لكنها بحكم المؤكد مرحلة تحتاج إلى تهيئة وشروط لتبدأ، وعلى رأسها أن تضع الأزمة أوزارها، وعقب ذلك لكل حادث حديث.

العدد 1195 - 23/04/2026