اقتصادنا بلا خبراء وحكومتنا تغرد منفردة
تدير الحكومة اقتصاد الحرب، واقتصاد الأزمة، بغياب الاقتصاديين والخبراء في هذا المجال، فالبلاد تشهد أزمة خانقة، ولا نعتقد أن أحداً من الوزراء يملك خبرة كافية للتعاطي معها، ولديه من القدرات الذاتية لتبيان أفضل السبل لمواجهتها اقتصادياً، وهذا أمر طبيعي، بالاستناد إلى الفترة السابقة الطويلة التي امتدت لثلاثة عقود كانت سورية بلداً يتصدر دول العالم في الأمن والأمان. أمام هذا المعطى الجديد المتعلق بالأزمة الراهنة، كيف تصرفت الحكومات الثلاث للاستفادة من أصحاب الخبرة والرأي الاقتصادي لمواجهة النقص في الغذاء والدواء، ومعالجة احتمالات توقف عجلة الإنتاج في معظم القطاعات؟ هذه أسئلة جوهرية ضاغطة أثناء الأزمة، لم نجد إجابات عنها من أحد، ولم تقدم الحكومة عبر وزرائها سوى المقولة الاعتيادية بالسعي لتأمين متطلبات الاقتصاد الوطني. هذا الكلام العام الذي تغيب عنه الإجراءات والسبل لا ينفع، ولا يقدم شيئاً على الصعيد العملي.
تمتلك سورية خبرات مختلفة في كل القطاعات، ولنا في عملية الانفتاح الاقتصادي نماذج ناجحة جداً، إذ استعانت الحكومات السابقة بخبراء سوريين كانوا يعملون في الخارج دون تجاهل الخبرات المحلية التي كانت تعمل بالداخل وأتوا إلى البلد لحظة دعوتهم للمشاركة في التخطيط للمرحلة الاقتصادية القادمة، والعمل على تنفيذها، والاستفادة من خبراتهم وعلاقاتهم الخارجية مع المؤسسات الأممية والمسؤولين في بعض الدول التي تربطنا معها علاقات اقتصادية جيدة وبحاجة إلى تطوير، أو تلك الدول التي يجب إقامة علاقات معها. الدكتور عصام الزعيم كان النموذج الفريد والأنجح على هذا الصعيد، وما أنجزه في الخمسية التاسعة احتاج إلى عدد كبير من الباحثين والأكاديميين والمسؤولين الاقتصاديين لوضع الخطة الخمسية العاشرة، كما أن بصمات الراحل الزعيم في الاقتصاد الوطني ما زالت قائمة ولن تمحى، كتأسيس هيئة لمكافحة البطالة وغيرها. وقائمة الأسماء كثيرة، هناك عبداللطيف عبود الذي أشرف على تأسيس قطاع التأمين الخاص، وترك عبود هيئة الإشراف على التأمين بعد أن ضمن أن الوليد الجديد بات قادراً على الاستمرار. الراحل أسامة الأنصاري الذي كان من أهم المؤسسين لبورصة دمشق، وهو الخبير الدولي في هذا المجال، وواحد من بين 11 خبيراً استعانت بهم حكومة دبي لتأسيس بورصتها وأن يكون أحد مستشاريها الدائمين، حصل على مكافأة سورية على جهوده بتكليفه برئاسة مجلس إدارة مؤسسة الطيران السورية. هناك قائمة طويلة يمكن ذكرها، عملت بجد ونشاط ووطنية، ولانريد الحديث عن موقف الحكومات منها، وكيف عرقلت خططها. وأيضاً هناك نصف فارغ في هذا الكأس، إذ أتت خبرات لم تكن بالمستوى المطلوب، ولم تقدم شيئاً، ولم تسهم في القيام بواجباتها فضلاً عن ترك بصمة سلبية.
الآن، يغيب الاقتصاديون والخبراء، عن العمل الحكومي، ونشاطاته، واستشاراته، وذلك رغم أسوأ أزمة تعصف بالبلاد، ممتدة على مدى 31 شهراً، أتت على كل ما يمكن أن تأتي عليه، ولم تُبق إلا على أشياء قليلة في القطاعات المنتجة. والواضح أن هذا الغياب القسري، ترك أثره الجلي على القرارات الاقتصادية، لاسيما المتعلقة منها بالحياة المعيشية للمواطن، وسبل تأمين الحد الأدنى من متطلبات الناس، واحتياجاتهم المختلفة الغذائية والطبية وغيرها. ولابد من التساؤل هنا عن أسباب إصرار الحكومة وتجاهلها الاستعانة بالخبرات الاقتصادية المحلية؟ وهل هي قادرة على اتخاذ قرارات تصب في مصلحة المواطن، وتعالج مشكلاته، وتنسجم مع معطيات الاقتصاد الوطني، دون استشارة الخبراء؟
لايخفى على أحد أن الحكومات المتعاقبة لم تك تنظر إلى الخبرات المحلية والكوادر الوطنية بعين الاهتمام، ولم تك ترى فيها إمكانية للنهوض بالواقع الاقتصادي والاجتماعي، وكانت تصر على أن هذه الكوادر في غالبيتها، معرقلة للتطوير، وغير قادرة على العمل، وعاجزة عن الالتزام بما هو مطلوب منها. لاسيما أن عدداً من الوزراء غير مقتنعين بأهمية التواصل مع الاقتصاديين، وغير مستعدين لسماع رأيهم، ويكتفون بما يقدمه المديرون المركزيون لديهم من آراء تنسجم مع مواقفهم، وتأخذ الطابع القانوني بالدرجة الأولى لتجنب المساءلة، ولا نذيع سراً إذا قلنا إن معظم المسؤولين يرون أن الخبراء والأكاديميين (منظرون) فقط.
حكومتنا لا تعمل بالاقتصاد كما يجب، بدليل هذا التخبط والتأخير في إنجاز المطلوب منها على هذا الصعيد، وتركز جهدها على ما يمكن أن ينجز ببساطة، تريد التدخل بالأسواق لكنها لا تعرف من أي طريق، تريد إنقاذ الصناعة ولا تملك خططاً وسبلاً لذلك، تريد استمرار الفلاحين بعملهم لكنها تقف على مسافة بعيدة عنهم، وبالمسطرة ذاتها يمكن القياس على القطاعات الباقية، وجلّ ما اقتنعت الحكومة به أنها بانتظار الحل السياسي للأزمة في سورية، كما رسخ النائب الاقتصادي السابق، ومن ثم الانطلاق للعمل وحل المشكلة الاقتصادية القاتلة والخانقة. حتماً، إن التغريد الاقتصادي الحكومي منفرداً، والتجاهل للخبراء والأكاديميين لا سيما في كليات الاقتصاد بالجامعات، هو طريق ثابت ووحيد للفشل.