حوار مُترجَم.. وخطوط مُنتهَكَة

منذ رأيته مُقبلاً.. تفاءلت بُحسن طالع نهاري، قائلاً في نفسي: أن تصطبح بصطوف يا ولد، خيرٌ من أن تصطبح بـ(كرارة) أو قبيحة أو حتى جميلة وجرّتها فارغة!

. (بعدها بتحوص)؟

سألته من بعيد، السؤال الذي اعتاد أن يباشره به، كل من يودّ ممازحته.

– (بتحوص وتلوص.. وبتشدّ عالـ…!).

أجابني، جوابه الذي يردّ به على من يروق له.

. أسعد الله صباحك أخي صطّوف (ابتدرته باسماً)

– وصباحك يا أستاذ (أجاب ضاحكاً)

. لم تعد صغيراً يا صطّوف وصار لازماً، أن تختار لك، سنيورة أمّورة، مهضومة وشطورة، تخدمك.. وتسليك.. (وتدير بالها عليك).

– سلامة فهمك يا أستاذ، واحدة مثل هذه، تصير أنت بدّك تخدمها وتسليها و(تدير بالك عليها).

. نحنا قلنا، تكون حلوة نعم… لكن ما قلنا تكون ابنة حرام!

ابتسم صطّوف، ابتسامته العصية على الترجمة، تلك ثم قال:

– لا أنت قلت ولا أنا قصدت، كل الناس خير وبركة يا أستاذ. ولا يعلم حقيقة عباده سوى خالقهم. فلا كل مَنْ ابتسمت لرجل صارت عاهرة، ولا كل مَنْ عَبَست في وجه بني آدم، صارت طاهرة.

صحيح حضرتك واعٍ ومثقف وتفهم النساء (ومشاويرك إلى الكروم والحواكير ليست لله بالله) لكن محسوبك له خبرته أيضاً. فكثيرات مِمن يضحكن ويمزحن وتحسبونهن (مشلطات) هن مستورات ومُحصنات وعين الله عليهن. وكثيرات ممن يتلثمن ويتغمغمن وتعدونهن (نسمات خير ويُصلّى على أذيالهن) يعملن السبعة وذمتها!

اتركنا الآن من سيرة النسوان – الله يرضى عليك – وهات خبّرنا عن أوضاع البلد؟

. أخي صطّوف، معلوماتي بشكل عام لا تختلف عمّا يتناقله الناس أو يسمعونه من الراديو والتلفزيون.

– ما يتناقله الناس، ليس مصدراً موثوقاً وما نسمعه من الإذاعة والتلفزيون لا يُعتدُّ به وليس موثوقاً أيضاً. فأمس كان المسؤولون يعرّضون صدورهم على الشاشات، ويرفعون أصواتهم ليشيدوا بالمواطنين – المسحوقين منهم بشكل خاص- ويصفونهم بأنهم أساس صمود الوطن ودرع استقلاله.

ويقولون إن الخبز خط أحمر والسكر خط لا أعرف ماذا.. واليوم هم بالذات، يرفعون سعر الخبز، ضعف ما كان عليه، والسكر مثله، وغيره سيلحق به.. غير مُستحين على أنفسهم ولا سائلين عن المعوزين والمعثرين.

. أنا معك يا صطّوف، لأن الحق معك. وأعرف أن كثيراً من الفقراء صاروا (ع الحديدي) ويعيشون على الخبز مُغمساً بالشاي أو من دون غماس. لكن أريد معرفة وجهة نظرك بخصوص الأزمة التي خرّبت البشر والحجر وأحرقت الأخضر واليابس؟

– وجهة نظري، أن السحر سينقلب على الساحر والكذب على الكاذب والظلم على الظالم، سواء كان في بلدنا أم في غيرها. وستنهض سورية من كبوتها، وتسترد عافيتها قريباً، إن شاء الله. هات ناولني سيجارة يا أستاذ، وتيسّر، مع السلامة لا تتأخر على وظيفتك!

 

ملاحظة المترجم

ما يعرفه أهل القرية عن صطّوف، أن والديه قد عملا المستحيل، كي يُرزقا مولوداً – لا يهم بنتاً كان أم ولداَ – يكحلان عيونهما برؤيته، ويغمضان جفونهما على صورته، وقد استُجيب أخيراً لدعواتهما وجاءهما صطّوف. فعلّماه وربّياه، على أحسن ما يكون التعليم والتربية.

***

إلى تواضع السمات الشخصية الظاهرية لصطّوف، وقلّة كلامه، وقضائه معظم أوقاته في البراري، فقد عُرف عنه، محبته لجميع أفراد قريته، خاصة منهم الأطفال، وكان يعطف على الحيوانات الأليفة منها والمُفترسة، إذ لم يحصل أن اعتدى عليه أيّ منها، علماً أنه كثيراً ما يقضي ليله ويبيت في الخلاء.

وقد انجذبتْ الصبايا إلى صطّوف وأُغرمت به. ويقال إن التي كانت تتمنّع على خيرة شباب القرية، ويحلم بها الكبير والصغير، ولا يستطيع أحد أن يلمس ظفرها، كانت تسلم نفسها لصطّوف!

***

لمّا كان الكلام يحلو عن صطّوف، ويمتد بلا نهاية، فقد اكتفينا بترجمة ما لا يتنافى مع حرمة شهر رمضان الكريم، وخصوصية ما يمر به وطننا الغالي من تأزيم.

أما عمّا حدا بنا إلى الترجمة من العربية للعربية، فيعود لكثرة وتنوّع العاميات في بلدنا، ما أدّى لاستصعاب فهم سائر مفرداتها، من قبل عموم العامة والخاصة، واستغلاقها على البعض منهم، من جهة.

ولاستشراف الفصحى البسيطة من قبل أبعاض العامة، واستشفاف معانيها من قبل أبعاض آخرين، من جهة أخرى.

العدد 1190 - 11/03/2026