ضحكة الريحان
وإن في الأطفال لعبرة! اكستبناها منهم، نحن الكبار، أيام عيد الفطر، عندما فلسفوا ما حولنا بصخبهم، وضجيجهم، وإشراق بسماتهم الطفولية البريئة، التي تشبه ضحكة الريحان في عيون الشام، وغوطتها، وشوارعها، وحواريها، وياسمينها، وكل ما يمت إلى الشام بصلة الحب والعشق والوجد، فإذا بها تمسح دمعة حزنها وأساها، وهموم ما يمر بها من عواصف عابرة، وتركض باتجاه الطفولة القادمة من المستقبل، تشارك الصغار في أفراحهم وصخبهم وعيدهم، فإذا بالدنيا على عتبات العيد تصعد بفرح الصغار إلى حيث النشوة البالغة، نشوة طارت بها عصافير العيد إلى تلك القبة السماوية الزرقاء، حتى خِلنا، ونحن نشارك الأطفال عيدهم، أن السماء تشارك الأرض عيد فطرها، ولبرهة من الوقت تثب حدقات عيوننا من مرارة اللون الأرجواني القاني والمقيت، إلى لون سماوي أزرق/ أبيض مقارب لزرقة البحر، ونهارات الياسمين، لون أشبه بضحكات الصغار الساحرة، يؤكد أن البلد لا يليق به إلا الفرح والضياء، وقهقهات الياسمين على شرفاته التي فزعت إلى حد الجنون من الأرجواني القاني، وضاقت ذرعاً باللون الأحمر، وأن البياض يعبِّر دائماً عن الصفاء والفرح. ولا مجال لأن نستمر بصياغة شمسنا بالدم، وسمائنا بلون الرماد، وما حولنا بالعتمة القاتمة!؟ لأول مرة يعلمنا الصغار كيف نضحك ونحن في منتهى الفاجعة، وكيف نفرحُ ونحن في منتهى الحزن، وكيف نقفز فوق الشاهدات ونحن نخلع أكفاننا، وننهض من جديد للحياة؟!
كثيراً ما عاندتُ نفسي وهي تذهب بعيداً في الرمادي القاتم، وكثيراً ما عاندت قلمي أن يغوص في البكائيات وعتمة الفاجعة، وكثيراً جداً ما عاندت الخطوة أن تقذفنا أعمق في شفير الهاوية، عاندت وغيري، ولم نفلح، ولكن عصافير الشام في عيدهم بضحكة مجلجلة واحدة ردّونا دفعة واحدة إلى الحياة، وجعلونا نشعر أن كل شيء هنا بخير رغم ضراوة الحدث، وثقل الفاجعة؟! وأن على الكبار أن يتعلموا من خبرة الصغار في الحياة ما يليق بهم أن يكونوا على مستوى ضحكة العصافير الخضراء، وهي تحيل ألوان قوس قزح جميعها إلى لون أبيض يتساوى بالنهار والياسمين، وضحكة شمس الشام الناصعة، والرائعة، والتي نسجها مبدعها، لتكون عبر مسارها الأبدي مبشرة من سماء وجودها بدوام خلودها المشرق في شفاهِ بلابل الشام؟!
أيتها العزيزة دمشق!
وأنت تنهضين في عيد عصافير الكبَّاد والحَوْر والياسمين، وتغمرين الصغار والكبار ببسمة دمعتك الساحرة، والآسرة، تذكَّري جيداً أن آهة منك تُغرق العالم بالعتمة والسواد، وأن ضحكة منك تحيل العالم إلى ضحكة بيضاء كياسمينك المفرد في بهائه الخالد! تميلين عنا فتُضيِّع بوصلة الجهات طريق عودتها للجولان وفلسطين، وتشيرين بنبض قلبك إلى القدس، فنقول: إنه الإسراء الثاني أيها العائدون!