بطالة وأرصفة وسفر.. فهل من تحرك حكومي عاجل لإنقاذها؟.. الحرف المهنية السورية تنزف

الأزمة الراهنة التي تمر على سورية أثرت على مجمل القطاعات الاقتصادية، وقد ذكرنا في العدد السابق أن الأزمة كان لها أثر بالغ على القطاع الزراعي، على الرغم من التطمينات الحكومية حياله، وبالطبع الاقتصاد السوري له ميزة نادراً ما نجدها في الكثير من اقتصادات العالم، فهو يتميز بالتنوع وعدم اعتماده على صيغة عمل واحدة، فهو اقتصاد زراعي وصناعي وتجاري واستثماري وعقاري في آن واحد، ولكل قطاع دوره بنسب محددة فيه.

ولا يخفى على أحد مدى الضرر البالغ الذي أصاب القطاع الصناعي العام والخاص خلال الأزمة الراهنة، سواء الصناعات الغذائية أو النسيجية أو الكيمياوية أو الهندسية، وغيرها من الصناعات الأخرى، وبالطبع الحرف الصناعية أيضاً لا تقل أهمية عن باقي الصناعات السورية، وخاصة أن سورية تمتلك ميزة نسبية فيها، فالحرف السورية على اختلاف أنشطتها ذات أهمية كبيرة وهي لاعب أساسي في سوق العمل السوري، كما أن الحرف السورية تمكنت أن تبرهن عبر الزمن أن ليس لها مثيل في مختلف أرجاء العالم.

ولم يسلم قطاع الحرف المهنية من تداعيات الأزمة السورية، بل أيضاً شهد تراجعاً ملحوظاً، سواء من حيث النشاط أو من حيث الإقبال عليه، بل إنه شهد إغراءات كثيرة من قبل البلدان المجاورة لسورية.

ويعاني قطاع الحرف المهنية حالياً العديد من الصعوبات، سواء من حيث توفر المواد الأولية وارتفاع أسعارها، أو من حيث عدم توفر أماكن لممارسة النشاط الحرفي.

(النور) حاولت أن تلقي الضوء على هذا القطاع من حيث نشاطه الحالي، إضافة إلى الصعوبات التي تواجهه، وقامت في سبيل ذلك بإجراء لقاءات مع عدد من الحرفيين، إضافة إلى رئيس اتحاد حرفيي دمشق.

صعوبات بالجملة تواجه الحرفيين..

أحد حرفيي الموبيليا أوضح أن صناعة الموبيليا تعاني العديد من الصعوبات، فقد أغلقت العديد من الورشات في ريف دمشق بسبب الأزمة، مما رفع نسب البطالة لدى النجارين بعد أن دمّرت معداتهم في المناطق الساخنة، واضطر بعض النجارين ممن استطاعوا نقل معداتهم إلى فتح محل نجارة لهم في بعض المناطق الآمنة، في حين انتقل بعضهم للعمل في بعض محلات النجارة الأخرى مقابل  أجر معين.

وأكد أن معظم أعمال الموبيليا والنجارة حالياً تشهد ركوداً كبيراً لعدة أسباب، منها ضعف القدرة الشرائية لدى معظم المواطنين وعدم توجههم لتفصيل المفروشات، والإقبال على المفروشات الجاهزة، والمستعملة التي تباع إما في سوق الحرامية بدمشق أو بعض أسواق ريف دمشق، وذلك لرخص ثمنها ذلك أنها تلائم قدرة المستهلك المادية، كما أن تعرض العديد من الأسر للتهجير من مناطق سكنهم رفع الطلب أكثر على المفروشات الجاهزة والمستعملة الرخيصة الثمن، في حين أن الطلب على المفروشات التي تسمى (تحت الطلب) أو وفق ذوق المستهلك أصبح نادراً جداً، ولا يطلب هذا النوع من المفروشات إلا من يملك قدرة مادية كبيرة.

وأشار إلى أن مهنة الموبيليا والنجارة تعاني حالياً من ارتفاع أسعار المواد الأولية، فتختلف أسعار الأخشاب وفق نوعها، مشيراً إلى أن غرفة نوم من النوع الوسط أصبح سعرها حالياً مالايقل عن 100 ألف ليرة سورية وتنتهي بحدود 280 ألف ليرة سورية، وبالطبع هذا لغرف النوم المفصلة، أما المستعملة فيتراوح سعرها مابين 15 و50 ألف ليرة سورية وذلك بحسب حالتها الفنية ومتانتها.

ولفت إلى أن معظم المواد الأولية ارتفعت أسعارها، ويتم تسعير الخشب وفق سعر الدولار أيضاً، كما أن معظم مستلزمات العمل تضاعفت أسعارها من آلات ومعدات أخرى.

بالمقابل أوضح أحد الحدادين ل(النور)، أن مهنة الحدادة شهدت تراجعاً كبيراً خلال فترة الأزمة الراهنة، لافتاً إلى أن ارتفاع أسعار الحديد ارتفاعاً كبيراً أدى إلى ضعف الإقبال من قبل المواطنين، فاقتصر الطلب إما على تفصيل بعض خزانات المياه والمازوت وبعض الأبواب والنوافذ الحديدية خشية تعرض المنازل للسرقة، إضافة إلى بعض التصليحات الأخرى التي لا تسمن ولا تغني من جوع.

وأشار إلى أن العديد من أصحاب المهنة تركوها وسافروا خارج سورية، وخاصة إلى مصر والأردن، حيث قاموا بافتتاح ورشات لهم في الأسواق الخارجية، كما أن العديد من أصحاب المهن الحرفية الأخرى سواء صناعة الزجاج أو الفخار أو البلاط والدهان وميكانيكي السيارات سافروا خارج سورية إلى أسواق البلدان المجاورة.

حرفي يعمل في ميكانيك السيارات، أوضح أن معظم الحرفيين أصبحوا يعملون على أرصفة الطرقات لعدم توفر مكان لهم سواء في دمشق أو ريفها، لافتاً إلى أن محلات الميكانيك التي كانت تعمل في بعض مناطق ريف دمشق أغلقت نتيجة الأحداث التي تشهدها تلك المناطق وتحول الحرفيين إلى أرصفة الشوارع أو بعض المحلات لكي يمارسوا مهنتهم فيها، مما شكل عائقاً لهم وللمواطنين، لأن تصليح السيارات في بعض المناطق يؤدي إلى تضييق الشوارع وإحداث نوع من الاختناقات المرورية، مطالباً بأن يتم توفير مكان للحرفيين في منطقة آمنة لكي يمارسوا نشاطهم فيه بشكل مؤقت لحين عودة الأمن والاستقرار إلى مناطقهم.

اتحاد حرفيي دمشق: 90% من الحرفيين عاطلون عن العمل..

وأوضح رئيس اتحاد حرفيي دمشق مروان دباس في تصريحه ل(النور)، أن الكثير من الحرفيين السوريين أصبحوا عاطلين عن العمل مشيراً إلى أن نحو 90% منهم أصبحوا دون عمل نتيجة الأزمة الراهنة التي تمر على سورية، مؤكداً أن هذا يشكل خطورة على قطاع الحرفيين، وخاصة أن الحرفيين السوريين يهاجرون إلى الأسواق الخارجية للعمل فيها، بعد تعرضهم لإغراءات كثيرة، مثل مصر والأردن والجزائر وبعض دول أوربا أيضاً، لافتاً إلى أن العديد من البلدان قدمت تسهيلات واسعة لاستقطاب الحرفي السوري للعمل لديها، فهم يعلمون أن الحرفي السوري ذو مهارة نادرة في عمله، وهم يستفيدون منهم في إنتاجهم من ناحية وفي تدريب كوادرهم من ناحية أخرى.

وأكد دباس أن العديد من الحرفيين السوريين يقدمون على السفر مشيراً إلى أن العديد منهم يأتون للاتحاد من أجل أن يحصلوا على وثيقة حول نشاطهم من أجل السفر، لافتاً إلى أن الحرفيين المقدمين على السفر ذوو أنشطة مختلفة، سواء المكانيكي أو العامل في مجال الخراطة أو خياطة الألبسة والمنتجات الشرقية وغيرهم.

منطقة آمنة.. والحرفيون في الطرقات..

وطالب دباس بأهمية توفير مناطق آمنة للحرفيين المهنيين في بعض المناطق، من أجل أن يمارسوا نشاطهم فيها بشكل مؤقت لحين عودة الأمن والاستقرار لمناطقهم السابقة، وأن يتم توفير الكهرباء لهم، لافتا إلى أن عدم توفير مناطق للحرفيين دفع بهم للممارسة نشاطهم على أرصفة الطرقات، وبالتالي شكلوا زحاماً في الطرقات الرئيسية وخاصة بالنسبة للحرفيين الذين يعملون في إصلاح السيارات.

وأشار رئيس اتحاد حرفيي دمشق إلى أن مهنة الحرفيين تفتقد التنظيم، إذ يوجد في دمشق نحو 100 ألف حرفي ولكن عدداً كبيراً منهم غير مسجل في الاتحاد، مطالباً بتنظيم المهنة من خلال قانون جديد يلزم جميع الحرفيين بالانتساب إلى الاتحاد وعدم السماح لأي حرفي بأن يمارس نشاطه ضمن السوق المحلية إلا بعد الانتساب للاتحاد. وختم دباس حديثه بتأكيده أهمية المحافظة على الحرفي السوري وذلك بتقديم التسهيلات اللازمة له وتوفير أرض له ليعمل بها في منطقة آمنة ولو بشكل مؤقت، مشيراً إلى أن الحكومة لم تقصر مع الحرفيين أبداً وأن كل الدعم المقدم للحرفيين عبر الأزمنة السابقة يجب أن لا يذهب إلى الدول المجاورة، لافتاً إلى أهمية الحد من سفر الحرفيين من خلال توفير بيئة عمل مناسبة لهم.

تعليق: الحرف المهنية لا تقل أهمية عن المنشآت الصناعية..

بعد عرض السابق نؤكد أهمية أن تقوم الحكومة بتوفير منطقة آمنة للحرفيين بحيث يمارسون نشاطهم فيها بشكل مؤقت لحين عودة الأمن والاستقرار لمناطقهم، مع تقديم التسهيلات اللازمة لهم، فالقطاع الحرفي على اختلاف أنشطته يحوي عمالة لا يستهان بها من حيث الأرقام، كما أنه يعيل آلاف الأسر السورية، وإن عدم توفير مناطق لهم يؤدي إلى زيادة البطالة في صفوفهم، مع الإشارة إلى أن الحرف المهنية لا تقل أهمية عن المنشآت الصناعية، وبما أن الحكومة تعمل على نقل المنشآت الصناعية إلى مناطق آمنة، فأيضاً نشير إلى أهمية نقل الحرف المهنية للحرفيين المتضررين إلى مناطق آمنة.

يشار إلى أن الحكومة الأردنية وافقت سابقاً على السماح باستقدام الحرفيين والفنيين السوريين، وذلك بنسبة 30% في المدن الصناعية، و60% للمناطق النائية والأطراف خارج مراكز المحافظات، وجاءت هذه الموافقة بناءً على توصيات لجنة التنمية الاقتصادية لوضع توصيات خاصة بالعمالة السورية والاستثمارات والمستثمرين السوريين في الأردن، وقد تضمنت التوصيات وضع آليات لتسهيل دخول المستثمرين السوريين إلى الأردن، من خلال مخاطبة جمعية رجال الأعمال الأردنيين لتزويد وزارة الداخلية الأردنية بأسماء المستثمرين السوريين الراغبين في القدوم إلى الأردن.

وتحتل سورية ترتيباً من بين المراتب الثلاث الأولى، على مستوى العالم، في حرف صياغة الذهب وصناعة الرخام والشرقيات والحلويات والأطعمة وغيرها.

العدد 1194 - 15/04/2026