السوري الباقي… حصار مزدوج!
لم تشذّ حكومة سورية عن النهج العام الذي اتبعته الحكومات المتعاقبة، منذ اتباع نهج الانفتاح الاقتصادي والخصخصة، المواربة بداية والسافرة لاحقاً، بتوجيهات من السلطة السياسية طبعاً.
المفارقة كانت أنه في الوقت الذي كانت فيه السلطة السياسية توغل في الذهاب إلى تشجيع القطاع الخاص، وخاصة غير الإنتاجي منه (الريعي)، وتعطيه إعفاءات خيالية لإقامة شركات الربح الفوري، التي تستفيد من البنية التحتية التي أقامها ويقيمها قطاع الدولة (الخليوي مثالاً)، والتضييق على قطاع الدولة بقرارات وقيود بيروقراطية قاتلة، في الوقت نفسه كانت هذه السلطة تحاكم في محاكم صورية معارضين يساريين وقوميين وليبراليين بتهمة مضحكة هي (معاداة النظام الاشتراكي)!! إضافة إلى التهمتين التاريخيتين: وهن نفسية الأمة، وإضعاف الشعور القومي.
نعود إلى الحرب الاقتصادية التي تُشَنُّ من الخارج على الداخل كضغوط سياسية في جوهرها، أي من الدول التي لم يكن يعجبها نهج النظام رغم كل ما قدمه من تنازلات في ميدان الاقتصاد باتجاه (تحريره) ومحاباة الفئات الأكثر ثراءً، التي تشكلت في معظمها خلال سنوات السبعينيات والثمانينيات من النهب المُنَظّم للدولة والمجتمع عبر حلف كبار رجال السلطة مع كبار التجار (ما سمي حينذاك البرجوازية الطفيلية والبرجوازية البيروقراطية)، هذه الدول قامت باتخاذ إجراءات حصار ضدّ البلد تفاوتت في شدتها، ووصلت إلى أول ذروة لها في فترة ثمانينيات القرن الفائت، ثم كانت الذروة الثانية والأقسى بعد اندلاع الاحتجاجات الشعبية ومواجهتها بالعنف الدموي المفرط، ثم اندلاع الحرب الكارثية التي أحرقت الأخضر واليابس.
أما الحرب الاقتصادية الأقسى والأصعب فهي حرب الداخل، حرب الأثرياء على الفقراء بل على الشعب بعامة، الذي وصل كله إلى أدنى حدود الفقر.
هذه الحرب صامتة ظاهرياً، لا تصاحبها أصوات قصف ودماء، لكنها في العمق أشدُّ خراباً من الحرب المباشرة التي تدور رحاها على الجبهات.
الآن هناك حلفٌ واضح، رغم أنه غير معلن، بين أثرياء الحرب في طرفي الصراع، هناك اتفاق غير معلن على السعي الحثيث لاستمرار المقتلة السورية إلى ما لا نهاية، ولديهما أدوات لا يستهان بها لإفشال أي مسعى للحل السياسي أو المصالحات، وهو ما شهده السوريون والعالم في كل محاولات وقف النار أو الهُدَن أو المصالحات، إذ سرعان ما تنجح قوى الأمر الواقع التي نمّتها الحرب وضخمتها في إجهاض الحلول السياسية والإنسانية، وتُلبس تهمة الخيانة الوطنية والإرهاب بكل من يحاول السير في هذا الاتجاه، حتى يصل الأمر إلى تصفيات جسدية لبعض الساعين إلى الحلول السلمية، كما حصل في وادي بردى مؤخراً.
الإصرار على استمرار الحرب من قبل أثريائها وتُجّارها سببه اقتصادي طبعاً، لاستمرار دورة أعمالهم التجارية القذرة، واستمرار أرباحهم وأرباح شركائهم بل أسيادهم خلف الحدود.
إن من يجوّع الناس، ويحتكر لقمة عيشهم، ويزيد في تفاقم أزمات الغاز والمازوت والبنزين والخبز أحياناً، لا يختلف في شيء عن داعش، ويسميهم السوريون بـ(دواعش الداخل)، وهم كثر ومنتشرون في كل بقاع الوطن السوري، وكثير منهم يزاود بشعارات الوطنية والإخلاص ومكافحة الإرهاب، لكنهم الإرهاب الأخطر والحقيقي.
الذين يتاجرون بمواد معيشة الناس بين ضفتي الصراع يهمّهم أن يستمر الصراع ويتفاقم، وتبتعد الضفتان أكثر لتنتعش تجارتهم وتزيد ثرواتهم حتى لو لم يبقَ من السوريين سوى الكهول والأطفال الناجين من محرقتهم.
إن بداية محاربة هؤلاء المجرمين الإرهابيين هو وقف الحرب والذهاب إلى حل سلمي يقيم سورية ديمقراطية علمانية حرة لكل أبنائها.
وما تفعله حكومة خميس حالياً لا يخرج عن السياق العام للحكومات المتعاقبة التي استسهلت حل مشكلات الاقتصاد السوري على حساب الفقراء، لأنهم تحت السيطرة، حتى أصبح أعلى راتب شهري لموظف سوري يعادل أقل من 100 دولار، في حين تحتاج أي عائلة كحد أدنى إلى ما يعادل(400- 500) دولار للاستمرار في العيش.
ألا يسأل مسؤولو حكومة خميس أنفسهم كيف سيعيش هذا المواطن المقهور والنازح من بيته والفاقد لمسكنه وعمله ؟؟؟
أظنهم لو سألوا هذا السؤال، ووضعوا أنفسهم ليوم واحد مكان هذا السوري الباقي على قيد الوطن ليعيشوا هم وأولادهم وزوجاتهم بمبلغ 60 دولاراً شهرياً، لاستقالوا وعادوا إلى بيوتهم، أو لوجدوا طريقة أخرى لحلّ أزمات الاقتصاد غير التضييق على لقمة المواطن وتشديد الحصار عليه.
إنها حرب موازية، حصار أقسى تمارسه الحكومة الحالية كما سابقاتها ضد الفقراء.