تجربتنا فاشلة مع المجالس العليا.. تفاؤل مشروط تجاه المجلس الأعلى للصناعة

لست مع تأسيس أو تشكيل مجلس وطني أعلى للصناعة، استناداً إلى تجربتنا المريرة والقاسية وغير الناجحة، مع كل المجالس العليا السابقة التي شكلتها حكومات سابقة، تبين لنا لاحقاً أن هذه المجالس كانت للفساد والاسترزاق من جهة، ولعرقلة التطوير والإصلاح من جهة ثانية، وللتعطيل والتسويف من جهة ثالثة، ولتطبيق أسوأ أنواع المدارس الإدارية على اقتصاد يحتاج إلى أفضل المدارس، وأكثرها مرونة واستجابة للتحديات من جهة رابعة. وقبل أن نرمي هذا المجلس العتيد الذي أقر مشروعه مجلس الوزراء مؤخراً، تحضرني تجربة ثلاثة عقود مع المجالس العليا، للتخطيط الاقتصادي والاجتماعي والسياحة والزراعة والاستثمار وغيرها من مجالس لم نستفد من وجودها الكثير، وتركت انطباعات سلبية تجاهها. وكانت هذه المجالس التي ألغي بعضها، إحدى الصعاب التي حالت دون إصلاح القطاع المشرفة عليه، وحارس البوابة غير الأمين في بعض الأحايين، ما خلق كوارث اقتصادية وإدارية، أقلها تلك النتائج المخيبة للتطلعات في معظم المجالات التي كان المجلس الأعلى يديرها. وفعلاً ليس من باب التشاؤم، اعتبار تجربة سورية مع المجالس العليا تجربة فاشلة، لكن الواقع يؤكد أنه لم يك هناك تخطيط في ظل وجود مجلس أعلى له، ولم تتطور الزراعة رغم إشراف مجلس مماثل عليها، وتدهور الاستثمار الوليد رغم الاهتمام الواضح والكبير به، ووجود مجلس أعلى يتابع هذا المجال الحساس، وبالمسطرة ذاتها يمكن القياس، رغم أن تعميم حالة الفشل غير دقيق، ويثير الإحباط. لكن بماذا نفسر تراجع أداء كل القطاعات التي كان لها مجلس أعلى؟

 من جانب آخر، وللحقيقة، فإن المشكلة في جوهرها ليست في تسمية المجلس الأعلى، كفكرة أو أسلوب إداري، بل في أعضاء هذه المجالس، وطرق الإدارة فيها، والصلاحيات التي يمتلكونها. هذا هو المأزق، الذي جعل من اقتصادنا بلا ملامح، تعمه الخسارة، وتغيب عنه التنمية، وفيه الكثير من المشكلات التي تعرقل عمله وتحد من آفاقه.

ما القيمة المضافة التي يمكن أن يحققها المجلس الأعلى للصناعة، تجاه صناعتنا الوطنية؟ وهل هو قادر ويملك صلاحيات حل مشكلات هذا القطاع؟ بالمناسبة في المدرسة الإدارية السورية، الفريدة من نوعها، يمكن وضع أفضل العبارات، المصاغة بدقة وعناية كبيرتين، ليخرج هذا المجلس، بأفضل الصلاحيات ويديره أفضل من يدرك مشكلات الصناعة، ويضع التصورات التي تنقذ الشركات الصناعية من حالة التسابق المعلن نحو التوقف، والسرعة المخيفة التي تقود إلى الانهيار والإفلاس. ماذا يعني مجلس أعلى لصناعة متهالكة، مدمرة، أصابها الإعياء والتعب والترهل، وعششت في قلبها كل الأمراض الإدارية والإنتاجية الخانقة، وتقف الآن أمام خيارين مخيفين ومرعبين وقاتلين، الصمود بلا أسلحة، أو الموت المجاني بلا ثمن؟

الأهداف الأولية التي حُددت لهذا المجلس، تثير الإعجاب، وتعبر عن حاجات ملحة لإنقاذ الصناعة الوطنية، لجهة وجود عدد من الوزراء فيه، بيدهم صناعة القرار، وسبل إيجاد التمويل المناسب للشركات الصناعية التي تحتاج إلى مال لإقلاعها من جديد. وحسب وزير الصناعة فإن المجلس سيتولى وضع الخطط والبرامج والاستراتيجيات الصناعية، وإعادة هيكلة القطاع الصناعي، وتحديد نقاط القوة والضعف، وإقرار الخارطة الاستثمارية الصناعية، وتفعيل مبدأ التشاركية والتكاملية مع القطاع الخاص. كما أن المجلس سيتولى مهام وضع استراتيجية صناعية تمتد لخمس وعشرين عاما، تستند إلى عدد من المبادئ منها التركيز على الصناعات التي تتوفر موادها الأولية محلياً، وتحقق قيمة مضافة كالأسمدة الفوسفاتية والبتروكيميائية والزجاجية والأسمنت والنسيجية والتبغ، إضافة إلى التركيز على الصناعات الدوائية والزراعية التي تحقق الأمن الغذائي كصناعة الأدوية والسيرومات والسكر والزيوت النباتية والألبان والعصائر والكونسروة والمعكرونة وتعبئة المياه. وسيعيد المجلس بناء الصناعة وتأهيلها بالشكل الذي يلبي الطموحات، ويرتقي بها إلى المستوى المطلوب، من خلال استقدام تكنولوجيا حديثة ومتطورة، تنعكس إيجاباً في نوعية المنتج وكلفته. هذه الأهداف النبيلة، والرؤى الإستراتيجية، لم تذكر للمرة الأولى، بل هي نتاج طروح جدية سابقة بات عمرها أكثر من 20 عاماً، وظهرت للعلن مع بدء التأسيس لمشروع سورية 2025 الذي طرحه الراحل عصام الزعيم، آخر وزير للتخطيط، ثم وزير الصناعة الأسبق. إلا أننا لم نحرك ساكناً طوال السنوات الماضية تجاه تطوير الصناعة الوطنية بشكل جاد، وفي اللحظة التي تبلور مشروع قانون لإصلاح القطاع العام الصناعي.

 خلال فترة تولي فؤاد عيسى الجوني حقيبة الصناعة، أُوقف المشروع رغماً عن أنف كل المطالبين به، وأُغلقت عليه الدروج بلا إرادة كل الساعين لإصلاح القطاع العام الصناعي. والآن على أهمية أية خطوة لإنقاذ الصناعة الوطنية، لا يمكننا التفاؤل كثيراً، بل نحن بحاجة إلى التقنين في التفاؤل، إلى لحظة واحدة، مفصلية، وحادة، ومقنعة، تتمثل بأن ينجز هذا المجلس الأعلى شيئاً ما، ويخطو خطوة واحدة عملية لتحقيق أهدافه الجوهرية، وليس الاكتفاء بالاجتماعات. صناعتنا بحاجة إلى مجلس أعلى يرعاها، ويخطط لها، وينقذها من حالة المراوحة في المكان، وبحاجة إلى فك تشابكاتها، وعقدها، وخلخلة البنى البيروقراطية التي دمرتها، وتطويق قوى الفساد فيها، فهل المجلس الأعلى للصناعة قادر على هذا؟ وهل بإمكانه خلق التنافسية؟ وجعل منتجنا الصناعي المحلي قادراً على المنافسة؟ تلك هي المسألة.

العدد 1195 - 23/04/2026