لغة التدخل المباشر تعود من جديد
الأمريكيون الذين تكرّر على ألسنة قادتهم، في أكثر من مناسبة، تأييدهم للحل السياسي للأزمة السورية، وحاولوا إعطاء انطباع أمام العالم عن تراجع ما عن الحل العسكري، أخذوا الآن يعزفون من جديد على نغمة (اضطرارهم) للقيام بعمل عسكري ضد سورية، بعد أن ثبت لهم أنَّ الغارات الجوية على مواقع (داعش) ليست كافية لحسم المعركة ضدها، وأن التدخل البري هو الكفيل بتحقيق الهدف المنشود، بعد أن كانوا يستبعدون، في تصريحاتهم على الأقل، هذا النوع من التدخل. أما لماذا تبرز الحاجة الآن – أمريكياً- إلى ضرب سورية، وليس ضرب (داعش) عن طريق الغزو البري؟ فالجواب يأتي على لسان الرئيس الأمريكي أوباما، الذي صرح أنه يريد حل الأزمة السورية من جذورها حلاً نهائياً وشاملاً.. بمعنى لا يخفى على أحد، وهو أن ما يسمى الحملة الدولية ضد داعش ليست هي الهدف المنشود، بل سورية هي الهدف، وبذلك تكون أمريكا قد حقَّقت من هذه الحملة هدف الحصول على الشرعية الدولية باسم ضرب داعش، وتسعى الآن إلى إيجاد موطئ قدم للتدخل الاستراتيجي الأكثر أهمية بالنسبة لها، وهو تدمير الدولة السورية وإسقاط نظامها.
قد يكون الهدف من وراء هذا الإعلان الأمريكي الجديد، طمأنة الصقور من خصوم أوباما في الكونغرس الأمريكي الذين يتهيؤون للانقضاض على البيت الأبيض في الانتخابات الرئاسية القريبة، والذين يكيلون له تهمة الفشل في إدارة صراعات الشرق الأوسط وإضعاف هيبة أمريكا، كما قد يكون الهدف طمأنة حلفائه في السعودية وتركيا وقطر الذين تحاول أمريكا جمعهم في إطار حلف جديد هو الأكثر خطورة من بين الاستراتيجيات والخطط الأمريكية المتبعة حتى الآن، إذ سيلعب فيه تنظيم (الإخوان المسلمون) وما يسمى بـالمعارضة المسلحة (المعتدلة) دوراً تنفيذياً كبيراً على الأرض، وقوام هذا الحلف سيرتكز على إبراز الهدف السياسي الأكبر لأمريكا، وهو توطيد هيمنتها على المنطقة عبر تدعيم مواقع عملائها وأوضاعهم، والسير بهم نحو إسقاط الدولة السورية (المتمردة) على إملاءاتهم وأوامرهم.
أما حظوظ خطة التدخل المفترضة من النجاح، فهي ليست أكبر من حظوظ المراحل التي سبقتها في عملية شن الحرب على سورية منذ أربع سنوات، وهي في مأزق كبير نتيجة العوامل التالية:
1- صمود الجيش العربي السوري ووقوف الشعب السوري إلى جانبه، مما أدى إلى تحقيق إنجازات عسكرية كبيرة ضد الهجوم التكفيري الشرس.
2- تماسك الدولة السورية بكل مؤسساتها، الأمر الذي ساعد على صيانة وحدة سورية وإفشال مخطط تقسيمها.
3- رسوخ التحالف الاستراتيجي بين سورية وكل من روسيا وإيران والصين ودول مجموعة (البريكس).
4- التغيرات الكبيرة في مواقف الرأي العام العالمي، ومنها الأمريكي والأوربي، وتزايد تضامن الشعوب العربية مع سورية في أزمتها.
5- توضّح أهداف العدوان الاستعماري والتكفيري، وسقوط مزاعمه المتعلقة بالحرية والديمقراطية.
هذه العوامل التي اصطدم بها المشروع الإمبريالي الصهيوني، والمشروع التكفيري في حملتهم الإجرامية ضد سورية، ماتزال قائمة، وهي ستفعل فعلها بالتأكيد في حال ارتكبت الإدارة الأمريكية حماقة جديدة.
إن السوريين الذين اختبروا السياسة الأمريكية حيالهم في مختلف الحقب التاريخية، لن يثقوا بنواياها تجاههم، وسيتعاملون معها على أنها سياسة تفوح منها دائماً رائحة الموت والدمار، ولا علاج لها إلا بالمقاومة… وبكل الأساليب التي تؤدي إلى تحرير كل حبة تراب من أرض الوطن، وإحباط المخططات التآمرية والتكفيرية على سورية والبلدان العربية الشقيقة.