المطاحن السورية.. أخطاء الأمس تنعكس على المواطن اليوم
انعكست الأزمة التي تعصف بسورية منذ قرابة الأربعة أعوام على المواطن السوري حتى وصلت إلى القمة عيشه ولامست رغيف الخبز، وذلك لخروج معظم المطاحن من الخدمة نتيجة انعدام الأمن والتعديات المتكررة على المطاحن ومخازن القمح، إضافة إلى انقطاع الكهرباء المتكرر ونقص المحروقات، يضاف إلى ذلك أسباب أخرى أدت مجتمعة إلى تقليص القدرة الإنتاجية للشركة العامة للمطاحن، وبالتالي عدم القدرة على تأمين كميات الطحين المطلوبة للأفران، ما دفع الحكومة إلى استيراد كميات من الطحين تغطي حاجة السوق المحلية من الخبز الذي بات الوجبة الأساسية لكثير من السوريين، فارتفعت تكلفة صناعة الخبز من 67 مليار ليرة العام الماضي، إلى 178 ملياراً هذا العام، وذلك لزيادة أسعار القمح والخميرة والنقل والوقود، بحسب ما صرح به وزير التجارة الداخلية بعد قرار رفع سعر مادة الخبز بنسبة 70% تقريباً، إذ أصبح سعر الكيلو 15 ليرة بدلاً من تسع وسعر الربطة 25 بدلاً من 15 ومن ناحية أخرى يشوب عملية استجرار الطحين إلى الأفران فساد كبير، إذ يعمد عدد من الأفران إلى التلاعب برغيف الخبز لتقليص كميات الطحين المستخدم وبالتالي الفارق بأسعار تفوق سعره التمويني، فضلاً عن الهدر الحاصل بمادة الدقيق فالموزع أكثر من المخطط.
وبالعودة إلى قضية المطاحن التي شابها الكثير من التساؤلات من لحظة بنائها في ثمانينيات القرن الماضي، لتموضعها الجغرافي الخاطئ إذ تتركز معظمها في المناطق التي سيطرت عليها المجموعات المسلحة في ظل الأزمة الراهنة، وهو ما لعب دوراً في أزمة الطحين. ولتلافي ذلك سعت سورية إلى توقيع عقود مع الجانب الروسي لتزويد أربع مطاحن بالتجهيزات والآلات اللازمة للعمل، ذلك أن البنى التحتية لمطاحن (دير حافر وتلكلخ وسنجار والباب) جاهزة منذ سنوات، وتحتاج فقط إلى تركيب الآلات للبدء بالعمل، إضافة إلى الإعلان أن الجانب الإيراني سينفذ مشروع خمس مطاحن، الأولى ستكون في السويداء مع صومعة سعتها 10 آلاف طن من الأقماح بطاقة إنتاجية تبلغ 300 طن يومياً، والثانية في إزرع بالطاقة نفسها، والثالثة في الرقة بطاقة 300 طن، والرابعة في الطبقة طاقتها 120 طناً، والخامسة في القامشلي بطاقة 400 طن يومياً.
وهنا نتساءل عن حال هذه العقود وأسباب عدم تنفيذها لغاية الآن، على الرغم أن السنوات السابقة شهدت ولاتزال تقديم العديد من الكتب والمذكرات للجهات المعنية، إلا أنها لم تجد بعد تنفيذاً إيجابياً على أرض الواقع لهذا المشروع الهام الذي يعنى بتأمين خبز المواطن والحفاظ عليه وعدم المساس أو التلاعب به، بدلاً من طرق أبواب الدول واستيراد الطحين في ظل العقوبات الاقتصادية والحصار الجائر المفروض علينا مترافقاً مع انخفاض قيمة العملة السورية، وهو ما دفع الحكومة لرفع سعر الخبز، الأمر الذي أضاف ضربة إلى الضربات الكثيرة التي يتلقاها المواطن السوري الصامد من حكومته التي باتت تنسحب تدريجاً من واجبها الاجتماعي دون أن يترافق ذلك مع خطوات فاعلة لتعويض الطبقات الفقيرة والمتوسط، على الرغم من صمودها لأربعة أعوام في وجه (الحرب الكونية) على سورية.
وفي الختام سؤال طال انتظار إجابته: لماذا لا تسعى الحكومة لإيجاد حلول جديدة لكي لا تضطر إلى توجيه ضربات أخرى إلى المواطنين، كما فعلت مؤخراً برفع أسعار الخبرز والرز والسكر، فقرارات كهذه عواقبها الاجتماعية أكبر من مردودها الاقتصادي على خزينة الدولة خاصة بعد أن أضحى ثلاثة أرباع الشعب السوري تحت خط الفقر، ومعظمهم يعيشون على الإعانات التي تقدمها الجمعيات والهيئات التي تعني بالإغاثة، فهل سيأخذ اقتصادنا البعد الاجتماعي في الحسبان، أم سيبقى يسير في النهج الذي خطه الفريق الاقتصادي السابق.. والذي أوصلنا إلى ما نحن فيه؟!