رحيل عميد الكتاب الساخرين

الكتاب الساخرون عُمْلَة صعبة، يتمّ تداولها في الظروف العادية السلمية وفي الأزمات، باعتبارها المتنفّس المجاني للمواطنين، فهي لا تحتاج من القارئ سوى بعض الليرات أو القروش لشراء صحيفة ساخرة أسبوعية أو مجلة شهرية لقراءة زاوية قصيرة أو قصة ساخرة. وكما أن المهتمين بهذا الجنس السردي من الكتابة الساخرة حزنوا عندما قرؤوا خبر رحيل حسيب كيالي عام 1993عن عمر 72 عاماً، كذلك حزن المصريون على رحيل عميد الكتاب الساخرين أحمد رجب عن 86 عاماً (1928 – 2014). وهو من أشهر الكتاب الساخرين في تاريخ الصحافة المصرية والعربية. حصل على ليسانس الحقوق، وأثناء دراسته أصدر مع آخرين مجلة (أخبار الجامعة). وعمل في مكتب (أخبار اليوم) وتولّى سكرتاريا التحرير.

ومن يقرأ صحيفة الأخبار المصرية يعرف العمود اليومي ل أحمد رجب بعنوان (نصف كلمة)، وذلك لأكثر من 25 عاماً. كما شارك رسام الكاريكاتير الراحل مصطفى حسين في كاريكاتير أخبار اليوم لسنوات طويلة. وكان يسير على النهج نفسه في الأفكار التي يضعها لرسوم مصطفى حسين، خصوصاً عبر شخصية (فلاح كفر الهنادوة)، التي تبجّل السلطة وتنتقد في الوقت نفسه أفعالها بمكر وذكاء، على طريقة (الفلاح الفصيح) في التراث الفرعوني.

حصل أحمد رجب على العديد من الجوائز، كان آخرها (شخصية العام 2013). وحقق نجاحاً كبيراً في تصدّر قائمة أبرز الكتاب الساخرين في مصر لعقود طويلة، إلى جوار محمود السعدني ومحمد عفيفي وجلال عامر وغيرهم. وكان يعرف كيف يختار من الوزراء المكروهين شعبياً، فيركز مثلاً على وزير المال  ويبتعد عن وزير الداخلية.

كان العمود اليومي (نصف كلمة) نموذجاً للكتابة الصحفية الساخرة، التي لا تثير حفيظة السلطة وتزعجها، بقدر ما تحقق متنفَّساً لاحتقان الشارع إزاء ممارسات حكومية سلبية، ومن ثمَّ كانت تبدو انعكاساً لاتفاق ضمني يراعي خطوطاً حمراً. وكان أحمد رجب يسير على النهج نفسه في الأفكار التي يضعها لرسوم حسين مصطفى، خصوصاً عبر شخصية (فلاح الهنادوة). وهما أشهر ثنائي ساخر في الصحافة المصرية والعربية. واشتهرا بسخريتهما اللاذعة من الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية.. الأول يكتب والثاني يصوّر بريشته الكلمات (وكأنهما كانا في مهمة لا يمكن أن ينجزها أحدهما دون الآخر.. نصف قرن تقريباً حملا خلاله صوت المواطن للمسؤولين في رسالة صاغها قلم وريشة ثنائي بارع قلّما يجود الزمان بمثلهما..).

لقد ساهمت شراكة أحمد رجب مع رسام الكاريكاتير مصطفى حسين في، إنتاج الكثير من الشخصيات المضحكة التي حظيت بشعبية كبيرة بين الجمهور، وتحوَّلت إلى حلقات كارتونية أو درامية تعرض في شهر رمضان. وكان رجب العقل المفكر ل حسين منذ نهاية سبعينيات القرن الماضي.

العدد 1195 - 23/04/2026