حين ضيّعنا الجحش!
2.9 مليون دولار فقط هو ثمن جحشة إنكليزية صغيرة لم ترَ من الدنيا شيئاً بعد، فقد أمضت من عمرها بجوار الماما الإنكليزية ثلاثة أشهر فقط، ليشتريها حاكم دبي الشيخ محمد بن راشد ويضمها إلى آلاف الجحشات في إسطبلاته، وقد أسمى سمو الشيخ جحشته الجديدة ب (شمردل)، عاشت الأسامي..
والجحشة أعزكم الله هي نفس ما يطلق عليها الكرّة في مناطق من بلادنا الجميلة، وحين تكبر في دلال الشيخ وعزه يصير اسمها حمارة، وقد وُصف صوت الحمار بأنه أنكر الأصوات، رغم أن هناك أصواتاً كثيرة تقول للحمار ما أحلى صوتك، وتفرد لها برامج وسهرات تلفزيونية أسبوعية مع أطقم كاملة من الضيفات الدلوعات وبعض الحيوانات الأليفة لزوم اكتمال المشهد.
الجحشة الإنكليزية أصبحت مالئة الدنيا وشاغلة الناس بعد الصفقة التاريخية التي فاز بها الشيخ في مزاد لندني أقيم خصيصاً لبيع الجحشات المقبلات على الحياة، ويبدو أنها ستحمل مفاجآت كثيرة ريثما تحبو وتبدأ ب (تلطيش) النهيق وتدخل مرحلة الفطام، وتذهب مع المشرفين إلى مدن الألعاب والنزهات البحرية والرحلات الجبلية. ومن ميزات (شمردل) أنها ستوفر على ميزانية الشيخ، التي هي من حر ماله طبعاً، تكاليف شراء اللحوم وتوابعها لأن الكرارة نباتية بطبعها، وليس الأمر (ريجيماً) أو تدللاً.
وأول ما ستفعله الآنسة (شمردل) حين تشب عن الطوق أنها ستركب إحدى سيارات البابا، (لكزس) مثلاً أو (همر) لأنها تتسع لقوائمها الأربعة، وستجرّ وراءها ثلةً من بنات الجيران اللائي يحلمن بمرافقة الذوات وركوب سياراتهم، وتحمل موبايلاً طويلاً عريضاً لا نستطيع تحديد نوعه لأنه لم ينزل إلى برج دمشق بعد، وتضع نظارات شمسية عريضة حتى في الليل، لتختار كل يوم مطعماً أو مرقصاً أو كافتريا تسهر فيها مع الشلة وتدخن الأركيلة محاطة بكل الحاشية والحراس، ويبدأ الجحاش من سكان الأبنية المجاورة بمطاردة سياراتها لمحاولة استمالة قلبها ودخول جنة الثراء عبر مصاهرة العائلة الكريمة.
وفي رواية أخرى أن مزاج الآنسة سينقلب فجأة وتطلب من مرافقيها بعض الكتب الشعرية والأدبية وتعتزل في جناحها في الفيلا، ثم تخرج بعد شهور ومعها أكثر من مخطوط شعري وروائي تدفعها الى دور النشر المتأهبة لاستقبال إبداعات الموهبة الجديدة، التي بزغت فجأة مع حملة إعلامية إعلانية غير مسبوقة احتفاء بالأميرة المبدعة..
ثم حين يستّتب لها عرش الشعر والرواية، وتُترجم أعمالها إلى كل لغات الحمير في العالم، تصاب بالسأم وتحرق كل كتبها في ساحة كبيرة معلنةً أن الكتابة لهؤلاء الحمير لا فائدة منها، لأنهم لا يقرؤون، وإذا قرؤوا لا يفهمون، وأنها ستبحث عن طريقة تنفذ منها إلى عقول بني وبنات جنسها علها تخرجهم من ظلمات الجهل والطائفية والخنوع الممتد الى آخر العمر تحت مسمّى الصبر، والرفس واللبط فقط لأبناء جنسهم، وأنها في وارد القيام بثورة حميرية تعيد الحمير كائنات حرة كريمة لا يعيّر الناس بعضهم باسمها.
ولأن الحمير ظاهرة صوتية أيضاً لم تجد الآنسة شمردل سوى الغناء مدخلاً للتأثير على قلوبهم، علّها تمتد لاحقاً إلى عقولهم إن أمدّ الله في عمرها، ولم يكن الأمر يحتاج إلى كثير عناء، فشبكة قنوات العائلة ستقيم مسابقة غنائية ضخمة تشترك فيها آلاف الجحشات من كل حدب وصوب، وستفوز هي طبعاً بلقب سوبر ستار الجحشات، ثم تبدأ إصدار إلبومات تحاكي معاناة أبناء جنسها وتحرضهم على رفض الواقع الثقيل كأحمالهم، والخروج من ربقة (الحمرنة).
استجاب معشر الحمير أخيراً، وبدؤوا يرددون أغاني (شمردل) في كل مكان، كراجات الهوب هوب، أماكن تجمع سرافيس المدينة، بسطات السندويش والسيديات والجوارب المنتشرة في الشوارع والحارات.
لكن بقي الأمر في خانة الترداد لا أكثر ولا أقل، ولم يتمعن حمار واحد في معاني الكلمات، بل اقتصر الأمر على الدبك والتلبيط حالما يبدأ صوت (شمردل) بالنهيق.
فانزوت شمردل وانكفأت على نفسها معلنة فشل مشروعها الثوري.
في المرويات أن فلاحاً كان يملك حمارين يربطهما في أرض الدار وينجز بهما أعماله مستفيداً من قوتهما وصبرهما، ومرة استطاع أحدهما إفلات الحبل الذي يربطه، ركض في البراري فرحاً بنعمة الحرية بعد سجن طويل مقسماً أن لا يعود إلى خدمة سيده، فما كان من الفلاح الذي عجز عن اللحاق بالحمار الفلتان إلا أن يستل عصا غليظة وينهال بالضرب على الحمار المربوط، وحين لامه الناس قائلين: ما ذنب هذا المسكين حتى تضربه؟
فقال قولته الشهيرة: (أهيّنٌ هذا لو فلت؟!).