اللوحة الأخيرة

هل سمعتِ العبارة التي تقول: كيفما توجّه المرء، فثمة وجه الله؟ كذلك يا عزيزتي، كيفما توجّه المُحب، فثمةَ قلب الحبيب، يلتقط نداءه.

تذكَّرتْ كلماته تلك، معقباً على بوحها له قائلة: كلما أردت مخاطبتك بقلبي، توجَّهتُ صوب حارتكم.. صوب الجنوب.

***

لم يسبق لـ (عزيزة) أن شعرت بمسيس الحاجة لمكالمة (زياد) مثل الآن. إنها الشتوة الأولى، بعد تعارفهما، في الشتاء الماضي.. وهو حبّها الأول، ويكتنفها حدس، أنْ سيكون الأخير..

قبل أنْ تتعرف إلى (زياد) لم يكن للشتاء عندها، تلك المعزَّة، التي يحظى بها اليوم. صحيح كانت تعلم أن أهالي ضيعتها، مثل الريفيين في سائر الضِيَع. ينتظرون الشتاء بفارغ الأمل، ويعوّلون عليه، بكثير الدعاء والاتكال، أنْ يكون شتاء صاخباً، ماطراً، وموفور الرواء..

تعلم عزيزة، أنْ عافية جميع فصول السنة، تتعلق بعافية الشتاء.. تحفظ الآية الكريمة التي تقول: (وجعلنا من الماء كل شيء حيّ).. لكن بعد تعرفها إلى الفنان زياد، صار للشتاء خصوصية، وأية خصوصية!:

في الشتاء يغدو لكلامها مع الحبيب، رجعاً مختلفاً وطعماً وطقسا..

تحت المطر يصير لكل من ثيابها، رسمه الخاص على دفتر جسدها..

في الشتاء، وبفضل حبيبها الرسّام. لم تعد عزيزة ترى في كل قطعة من ثيابها، فتنتها الخاصة على معالم جسدها فحسب. بل صار لكل أشيائها ولكل ما حولها، لوحته وجماله:

لمغزل تساقط المطر في الفضاء قبل ارتطامه بالأرض، لوحته..

لتزاحم رذاذه، غالاً بغابات شعرها، لوحته..

لتشابك حباته على زجاج شباكها لوحته..

***

بعد أنْ رسم القدر لوحته المعينة، لتوالف قلبيهما. باتت الحياة وكل ما يعتريها من أحداث، متوقعة، مستبعدة، ومتخيَّلة، بالنسبة لعزيزة، أشبه ما تكون بسلسلة لوحات متتالية. وبانتظار اللوحة الموعودة، التي تُشكّل، هي وزياد، كتلتها الرئيسة، العابقة لغامق وكثيف الدفء والألفة والوجد. وما حولهما، فضاء سابح بزاهي وشفيف ألوان الزهري والأخضر والأزرق، المتعانق، بما لا يقل عن تعانقهما وتداخلهما.

***

بانتظار تلك اللوحة، كانت عزيزة تعيش أوقاتها، وتستقبل لوحات حياتها.

قد تسترعي بعض اللوحات، اهتمام عزيزة أكثر من غيرها.. تنال لوحة بعينها، إعجابها وتستقطب ميولها، أكثر من سواها.. تواجه لوحة تجرِّح رهيف إحساسها، وتُغلِق المنافذ في وجه أمانيها.. لكنها غالباً ما تتفهمها جميعاً.

غير أن ثمة لوحات، شاهدتها عزيزة، ولم تستطع استيعاباً لها ولا تفهماً، آخرها وأغربها كانت، تلك اللوحة التي رأتها، عشية عيد الأضحى المبارك، من السنة الرابعة للنكبة الجهنميّة، التي تغوَّلت وطنها السوري. حين -على غير سابقة- اشتعلت السماء بنار القذائف ونار البرق في وقت واحد، ومادت الأرض بقصف الإرهاب وقصف الرعد في آن معاً. واتصلت، الأرض بالسماء،  بحبال من مطر، لا يكاد من يراها يميز، ما إذا كانت نازلة من أعلى، أو طالعة من أسفل. والتفت قلب عزيزة، فإذا بزوبعة من ناس ورصاص، يتقدمّهم ذوو الثياب المرقطة، يحملون فوق رؤوسهم، صندوقاً ملفوفاً بالعلم السوري، ويتّجهون جنوباً.

العدد 1190 - 11/03/2026