كبسة زر

بكبسة زر.. ها هو ذا قد وصل الآن تواً، وصل إلى الجنة الموعودة، كان في استقباله ملك وسيم الوجه عظيم الهيبة، فتح له الباب الكبير، دخل إلى حديقة مكتظة بالأشجار التي تجري من تحتها الأنهار.. بداية تحسس جسمه فلم يجد فيه أي جرح أو إصابة بالرغم من المتفجرات التي فجرها بسيارة قادها بكل راحة واطمئنان إلى مرآب إحدى الوزارات الحكومية، وهناك ضغط زراً جعله يحلق في الهواء كصاروخ فضائي ليصل بثوان إلى المكان الذي يحلم بالوصول إليه منذ سنوات، منذ أن التقى بمجموعة من الأتقياء الذين هدوه إلى أقصر الطرق للوصول إلى هنا.. وهنا حيث يرى كل شيء مذهلاً كأنه في حلم، قاده الملك الجليل إلى أريكة عليها سرر مطرزة تضللها أوراق وارفة، وأمام الأريكة طاولة مزخرفة عليها ما لذّ وطاب من أنواع المشروبات والمأكولات، قال له الملك: لابد أنك جائع بعد هذه الرحلة الطويلة تفضل وتناول الطعام والشراب، ثم تمدد وأرح جسمك.. ثم غمز.. أعددنا برنامج سهرة مميزاً على شرفك؟! أخذ (أبو قرادة السعودي) يستذكر آخر لحظاته في الدنيا: حيث كانت آلة التسجيل تصدح بأغاني دينية، وهو يقود السيارة الشاحنة الصغيرة المحملة بالأوراق والقرطاسية لتلك الدائرة الحكومية، يمر على الحواجز الواحد تلو الآخر مبرزاً بطاقة مزورة تدّعي أنها صادرة عن تلك الدائرة، ويشعر في نفسه بنشوة انبعثت بعد أن تناول ذلك القرص المنشط الذي ساعده على تماسك أعصابه وأنساه ما سيحدث، ثم دخل المرآب حيث لاقاه بعض العمال والحراس بالابتسامة.. ثمة موظفة لفتت انتباهه كانت قد خرجت من مكتبها لتشتري بسكوتة، وعادت وهي الآن تمشي قرب الشاحنة، وطفل يشتري أغراضاً من الدكان المقابل للمبنى الحكومي، ورجال دخلوا المسجد القريب تحضيراً لصلاة الظهر، وطلاب مدرسة قريبة، يتسكعون على الطريق المحاذي لتلك الدائرة، كان المرآب يغص بالسائقين والعمال والموظفين الخارجين والداخلين والمراجعين،. لم يكن هناك وقت ولا عقل للتفكير.. فالأشخاص الأتقياء يفكرون عنه وما عليه سوى التنفيذ وكسب الأجر.. ضغط بيده على زر التفجير (تك) أحس بحرارة شديدة ثم انمحى كل شيء من أمامه، أحس بغمامة بيضاء تلفّه وتأخذه بعيداً – قريباً لا يدري، ثم تراءى له وجه ذلك الملك الوسيم المبتسم يرحب به.

  قبل أن يباشر طعامه وشرابه، وكان متلهفاً لهما، قال له الملك: أتركك الآن مع هذا الجهاز التلفزيوني كي ترى ما حدث بعد عملك البطولي،.وتستمتع بجلستك الهنية.. هنيئاً لك،. الآن عندي مهمة مستعجلة أراك لاحقاً.. وذهب الملك.

 بدأت مشاهد التفجير تمر أمام عينيه قبل أن يلتهم أو يشرب أي شيء، الموظفة وهي أقرب كائن إلى الباص بدت ممزقة الثياب متفحمة الجسد، لا يزال جزء من حجابها الأبيض يغطي رأسها المحروق،.الطفل ملقى على الأرض والدماء تسيل من حوله، على باب المسجد سقط رجل عجوز محطم الجسم ككومة من الطوب، الطلاب المتسكعون ينزفون الدماء وتلتقطهم سيارات الإسعاف، أما في المرآب فكانت الأشلاء ملصوقة على الجدران ومعلقة على الأشجار المحترقة، وعلى الدرج انتشرت جثث الموظفين والمراجعين بين محترق ومشوه ومقطّع ومجروح.. في حين كان الدمار هائلاً في المقر الحكومي. توقف عن التهام اللقمة الأولى أغلق الرائي، شعر بحزن شديد وندم فظيع، فصرخ: أيها الملك، أيها الملك، أريد الخروج من هنا، لا أريد هذه الجنة!

  في هذه اللحظة أحس بكل شيء يتغير، حملق ببصره وصرخ:أين الأشجار الباسقة والأنهار العذبة؟! أيها الأشخاص الذين هديتموني إلى هذا الطريق أجيبوا؟! عاد إلى الرائي، شغّله ووجهه نحو الشقة التي تم تجهيزه فيها وشاهد وجوه الأشخاص الذين جهزوه للقيام بهذه المهمة، استنجد بهم: ارحموني، قولوا لي ماذا أفعل؟ استغرب تغير وجوههم الجميلة إذ بدت كأنها وجوه شياطين وعفاريت، وظلوا غير مكترثين بصراخه وهم يحتسون الأكواب ويقضمون المكسرات ويشاهدون مشاهد التفجير ويكتفون بطلب الرحمة له ضاحكين هازئين..

 سرعان ما بدا له كائن شديد القبح شيطاني الملامح، أحس بالرعب الشديد من أين أتاه هذا الكائن الشيطاني؟ أحس بصاعقة شديدة تضرب جسمه وبألم شديد يتسرب في أوصاله.. نظر إلى الأشجار فإذا هي الأشجار المحترقة والمهشمة نفسها، وإلى الأنهار فإذا هي مليئة بالدماء التي تطوف عليها الأجساد المحترقة، وإلى المائدة فإذا عليها فطائس وحشرات كريهة، سأل: أين ذهبت الحديقة المكتظة بالأشجار؟ أين ذهبت الأنهار؟ أين ذهب الملك الوسيم؟ أين أنا؟ أين أنا؟ في الوقت الذي بدأ الوجه الشيطاني يكشر عن أنيابه ساخراً. أخيراً شعر أنه محاط بهالة من النار وأن هذه النار تأكل جسده، فركض وسط المكان المقرف يبحث عمّا يطفئها فلم يجد أي وسيلة لذلك، لأن كل ما حوله كان يتحول إلى نار.. فتمنى أن يموت لكن أين له أن يحقق هذه الأمنية وهو في عالم الموت،. ركض في كل الاتجاهات والنار تركض معه، جثث الناس المحترقة تركض معه، دماء الجرحى تركض معه، القلوب الخافقة من الخوف، دموع الأمهات، الأعضاء المتناثرة، الأشجار المحترقة، حتى الأبنية المتصدعة والزجاج المحطم كلها تركض معه،. فوجد هاوية عظيمة تخرج منها ألسنة لهب شديدة الاحمرار فرمى نفسه فيها، ولحقته جميع تلك الأشياء، تمنى أن ينعدم وتمحوه النار لكن صوته بقي في الهوة يصرخ مستغيثاً في الأعماق الملتهب وثمة وجه شيطاني يكشر ساخراً.

العدد 1194 - 15/04/2026