رأس من قش.. وفكرة من نار!

في الحطب اليابس كانت النار كامنة، قبل أن تصبح حريقاً، والوهج كان مختبئاً في الفحم الأسود، وأصوات الرعود وضجيج العواصف كانت نائمة بين شراشف الغيوم قبل أن يوقظها البرق.

هنالك لحظة حاسمة لكل اشتعال..

هنالك شرارة صغيرة لكل حريق.

فقد يظن الكثيرون أن باستطاعتهم عبور الأنهار الهادئة بسلام، إنما حقيقة الأمر أخطر من ظنونهم واعتقاداتهم، ففي السكون والسكوت يكمن الخطر وتختبئ المصيبة مثلما تكون الإصابة في الصبر والمشورة والموت بين أسنان الفخ المنتظر.

وتغلي البراكين تحت أجسادنا دون أن نحسّ بحرارتها، مثلما ينمو الجنين بعيداً عن عيوننا، ولا يبدأ مشروع حياة حبوب القمح إلا بعد دفنها في عتمة التراب، فالورود قبل أن تخرج إلى نور الشمس اتحدت بذورها مع ظلمة الوحل، واستعدت وصبرت واحتملت أشهراً طوالاً قبل أن تتفتح تيجانها وتورق وتزهر أغصانها.

أفكارنا تبدو هكذا..

تشبه إلى حد بعيد عناصر الطبيعة من شجر وورد ولهيب وجمر وبرق ورعود.. فهي تنبت داخل الرأس، أي في العتمة، قبل أن تنثبق وتخرج متبلورة على الصخر، أو فوق الورق، أو مرسومة على القماش، إنما ليس كل عتمة يولد من بعدها فجر.

ولا كل حبة قد تصبح سنبلة أو شجرة زيتون.

فللعتمات أنواع وأشكال.. أوزان وحجوم.

منها مايعطي الحياة والضوء، ومنها ما يزداد مع الأيام حلكة وسواداً، فالخمرة الفاسدة لا يرجى منها الحلاوة واللذة أبداً مهما طال تخزينها وتعتيقها!

وليس أجمل ولا أروع في الحياة من رؤية الضوء والاستفادة منه والتمتع به، إنما الأروع والأعظم أن ينبع ذلك النور من أعماق نفوسنا المظلمة.

إن الذي رأسه من قش وأغصان يابسة يخشى دوماً أن يحلم بالنور والنار، ومن ولد ليزحف لايمكن أن نأمل منه الطيران، وكيف سيطير من كان ذيله أعرض من جناحيه؟!

ـ رائحة النوايا

إن من النعم الكبيرة التي تمتع بها الإنسان، وربما تحمي حياته من الموت والعذاب والتعذيب أن ليس لنواياه رائحة، وإلا (ما جلس أحد إلى جانب أحد).

هكذا هي أفكارنا.. تشبه النوايا.. تولد في العتمة، فلا رائحة لها ولا لون ولا صورة ولا صوت.. ومثلما يفكر بني آدم تسير حياته ويرسم مستقبله، النية كالفكرة، بذرة صغيرة، إما أن تكون خيرة ومسالمة وجميلة، أو تكون شريرة، عنيفة، قاسية ولئيمة، قبيحة كدمّلة ملتهبة أو سن منخور، سيؤذي وينخر غيره إذا بقي في مكانه. ومهما كانت الأرض خصبة وطيبة، فإذا لم تكن الحبوب سليمة والغراس خالية من النخر والدود، فمن الصعب أن تنبت فيها.

وهكذا هي علاقة الإنسان بأفكاره:

جسده هو الأرض، وأفكاره هي البذار والشتل، فإذا كانت البذار منخورة، والغراس معطوبة لن تنبت الورود، ولن تثمر الغراس مهما كان منظر الإنسان جميلاً وأنيقاً، وجيوبه مليئة بالذهب والدنانير لن يصبح ملكاً حتى تشبه أفكاره ثروته وجماله.

إن إنساناً أفكاره نظيفة، ونواياه طيبة، لهو أشرف وأجمل وأرفع من إنسان جميل في لباسه، وكنوز الأرض تحت تصرفه وإمرته.

يقال:

النظافة جميلة..

ولكن ما أعظمها إذا كانت في عقولنا!

العدد 1195 - 23/04/2026