في الدورة الـ70 للجمعية العامة للأمم المتحدة.. سورية حضرت بقوة!
في الدورة السبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة، كانت سورية حاضرة بقوة على منبرها، وذلك في خطابات لرؤساء وممثلي مختلف الدول بمناقشة أسباب الأحداث فيها وسبل الوصول إلى إيجاد حلول لمايجري فيها نتيجة للحرب الإرهابية التي تشن عليها منذ أكثر من أربع سنوات ونصف السنة..
نعم، كانت الأولية الدولية لسورية من خلال مناقشة الأوضاع فيها، وعلى رأسها إرهاب داعش وأخواتها، ولم تكن الأولوية لليمن كما عملت على ذلك السعودية ودول الخليج وفرنسا الاستعمارية المرتبطة بالمال السعودي، علماً بأن هذه الحرب الظالمة على اليمن مازالت تحصد العشرات من الضحايا الأبرياء يومياً، وتدمّر المؤسسات الخدمية دون أي وازع من ضمير لدى العائلة السعودية.
وكان الخطابان الهامان في افتتاح أعمال هذه الدورة لكل من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والأمريكي باراك أوباما قد تناولا الأزمة السورية، ومن خلال المعلومات التي نقلتها وسائل الإعلام تبين لهذه الوسائل أن الخطابين ثم الاجتماع الذي عقده الرئيسان عكست مجموعة من نقاط الاتفاق ونقاط الخلاف بين الطرفين.
أهم نقاط الاتفاق أو التفاهم:
– التركيز على المعركة ضد تنظيم داعش الإرهابي، لأنه أصبح يشكل خطراً على المنطقة والعالم بأسره.
– التفاهم على بذل الجهود لحل الإشكالات التي تعكر صفو العلاقات بين البلدين، خاصة فيما يتعلق بالملف السوري.
– الاتفاق على إقامة اتصالات عسكرية بين البلدين لتفادي حدوث نزاع بشأن أية عمليات عسكرية محتملة في سورية.
– الاتفاق على بحث خيارات الحل السياسي في سورية من مختلف جوانبه.
أما نقاط الاختلاف التي ظهرت، فكانت حول مسألتين أساسيتين وهما:
– مستقبل النظام السياسي في سورية والرئيس السوري بشار الأسد.
– ومسائل العمل والتعاون بين الدولتين الروسية والأمريكية في عملهما معاً لمواجهة داعش.
وبدا التباين أيضاً في الرؤية لأسباب ظهور داعش الإرهابي.. فأوباما يرى أنه ظهر فجأة من لاشيء، في حين رأى بوتين أن داعش لم تسقط من السماء، بل صُنعت تحت رعاية أمريكية وغربية كأداة تستخدم ضد أنظمة غير مرغوب فيها، وأنه رسخ جذوره واستفاد من غزو أمريكا للعراق بانضمام الآلاف من جنود الجيش العراقي الذي حلته واشنطن آنذاك.
وهذا ما جاء في وصف الرئيس بوتين للقائه مع الرئيس أوباما، بأنه عكس توافقاً في كثير من وجهات النظر، واتسم أيضاً بوجود نقاط اختلاف، كما أشرنا قبل قليل.
لاشك في أن الرئيس الروسي يدرس تفاصيل خطواته بعناية كبيرة شكلاً ومضموناً، ولكنه في الوقت نفسه كان يتوقع ألا يكون هناك تجاوب أمريكي واضح وحازم مع المبادرة الروسية الخاصة بسورية، فالرئيس الأمريكي، على الرغم من اللهجة التصالحية في خطابه، وفضلاً عما أبداه من استعداد للتعاون مع روسيا وإيران وسورية، إلا أنه ركز على تفسير محور واشنطن بشأن ما يسميه المرحلة الانتقالية مكرراً (شخصنة) السياسات وتوجيه العداء للرئيس السوري بشار الأسد، مع أنه لم يشر إلى شرط التنحي، باعتباره نقطة ضرورية لبدء العملية السياسية، في حين أن الرئيس الروسي عرّى سياسة واشنطن وحلفائها في سورية، موضحاً الرؤية الروسية للوضعين السياسي والميداني في سورية اللذين تتقاطع الحلول المتعلقة بهما عند مسألتين أساسيتين:
تحالف بين روسيا وأمريكا على غرار (التحالف ضد النازية)، والمسألة الثانية هي ضرورة التعاون مع الرئيس السوري بشار الأسد وجيشه الشرعي في محاربة داعش، فقد قال بوتين: (لا أحد سوى القوات المسلحة للرئيس الأسد تقاتل فعلاً تنظيم داعش ومنظمات إرهابية أخرى في سورية)، مؤكداً أن عدم التعاون مع الحكومة السورية والمؤسسات الرسمية سيشكل خطأ كبيراً.
إذاً.. الملاحظ أن الرئيس أوباما الذي حاول الابتعاد عن إرث سلفه بوش الابن، المتجسد في مبادئ التدخل الاستباقي المباشر في الدول الأخرى، والعمل منفرداً، لم يحدد ما هو البديل، وما هي أسس التعاون مع الدول الأخرى، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فهو يحاول مهادنة وإرضاء الأطراف كافة.
لقد بات من الواضح أن الرئيس الروسي بوتين استعاد حضور روسيا ودورها، وجرى ذلك بهدوء، ولكن بمثابرة في التعامل مع أمريكا، على قاعدة أن العالم ليس أمريكا وحدها، وعلى أساس هذه القاعدة بدأت ما يمكن أن نطلق عليها (الندّية) التي تتلافى روسيا من خلالها المواجهة المباشرة، لكنها بدأت تواجه القضايا بجدية.. فعندما لجأت الولايات المتحدة إلى أكثر من محاولة لكبح جماح روسيا، وكانت أوكرانيا أبرز الجبهات التي رمت فيها أمريكا ثقليها السياسي والعسكري لما تمثله من أهمية حيوية واستراتيجية لروسيا، إضافة لتمكنها من قلب نظام الحكم في كييف، عند ذلك بادرت موسكو إلى الرد السريع بإعادة جزيرة القرم إليها.. وعندما فرضت أمريكا وحلفاؤها العقوبات الاقتصادية ضد روسيا ومنها مقاطعة الشركات والمنتجات الروسية، وبخاصة الغاز، ما أدى إلى خسائر روسية لا يستهان بها، لجأ بوتين إلى بدائل استراتيجية منها الاتجاه إلى شرق آسيا وإقامة مجموعة إقليمية واعدة، إضافة إلى تعاون أوسع مع مجموعة (البريكس).
ومؤخراً حسم بوتين نقلته الاستراتيجية النوعية في سورية ميدانياً قبل أن يتوجه إلى نيويورك لعرض شروط التفاوض، مستعيداً زمام المبادرة لاعباً أول على الساحة الدولية، معلناً نهاية عهد الهيمنة الأمريكية على القرارين العسكري والسياسي في العالم، ومؤكداً من جديد مواقف أساسية تجاه الأزمة السورية، وهي إعطاء الأولوية لمحاربة داعش والمنظمات الإرهابية الأخرى قبل أن ينتقل خطرها إلى روسيا نفسها، واحترام سيادة الدول والقانون الدولي.. وقد اقترن هذا القول الروسي بالفعل من خلال الحضور العسكري الجوي الروسي في سورية بناء على طلب من سورية.
ويمكن القول بأن هذا الموقف الروسي الفاعل هو الذي جعل وسيجعل أكثر المواقف الأمريكية والأوربية الغربية وحتى مواقف أردوغان السفاح وممالك النفط ومشيخاته تدخل حالة من الارتباك والتشكيك بالموقف الروسي عبر شن حملة إعلامية تضليلية ضد روسيا ومحور المقاومة عامة.
باختصار، إن المواقف الروسية الحازمة هي التي ستضع المنطقة أمام حلول سياسية تحترم إرادة الشعوب وسيادتها، وتضع حداً للإرهاب والتطرف الديني، وتعيد للمنطقة أمنها واستقرارها.