التأثيرات المحتملة لدعم روسيا الجيش السوري

تعاني روسيا حصاراً اقتصادياً شديداً، وخسائر مادية كبيرة من هبوط أسعار النفط، ونفقات عسكرية كبيرة قادمة لعقد من الزمن قدّرتها مجلة (الإيكونوميست) بنحو 720 مليار دولار. وهي تحتفظ بقوات عسكرية هامة في أماكن عدة من دول الاتحاد السوفييتي السابق خاصة في طاجيكستان. ويبدو أن روسيا مصرة على أنها لن تسمح بانتصار كامل للولايات المتحدة في سورية، لذلك سعت بشكل حثيث نحو صيغة سياسية توافقية مع الولايات المتحدة. لكن إخفاق المساعي الروسية في إقناع الإدارة الأمريكية وحلفائها بصيغة حل وسط تكتفي فيه أمريكا بما حققته حتى الآن، وتحافظ فيه روسيا على الحد الأدنى من مصالحها، وبضمنها بقاء الرئيس الأسد في السلطة، دفعها إلى الخيار الأخير المتاح لها، والتحول نحو التدخل العسكري المباشر دفاعاً عن هذه المصالح.

التدخل في سورية يحمل مخاطر شديدة بالنسبة لروسيا، فهي قد تحفز (الجهاديين) على القتال المباشر ضدها وقد يتعرض الجيش الروسي لخسائر بشرية، خاصة بعد تهديد مسؤولين في الإدارة الأمريكية بتسليح المعارضة السورية بدلاً من تدريبها؟. لاشك أن التدخل الروسي الآن يمثل إشارة للمعارضة المسلحة داخل سورية ومن يدعمها من الأطراف الإقليميين، إلى التزام روسيا الكامل بدعم النظام السوري، وما سيترتب عليهم من فرض قناعة أن فكرة نصر عسكري حاسم ضد الجيش السوري أصبحت غير ممكنة، وبضمن ذلك فرض ماسمي (منطقة آمنة) شمال سورية. وبالتالي تفرض على المعارضة القبول  بحلول سياسية يكون فيها الرئيس الأسد موجوداً. لذلك فإن سعي روسيا إلى اقتران الحل السياسي في سورية مع التدخل العسكري يشير إلى أن روسيا ملتزمة بحماية مصالحها العليا في الشرق الأوسط، حيث توفر لها سورية مجالاً استراتيجياً متقدماً لضمان هذه المصالح.

 لقد دخلت روسيا في الميدان السوري مباشرة بعد توصلها إلى قناعة أن الجيش السوري وصل إلى مرحلة لايستطيع فيها وقف خروج الجغرافيا السورية من سيطرته لصالح المجموعات الأصولية المسلحة، وأن كل الجهود التي تقدمها إيران وحزب الله لم تعد تكفي، وأصبح هذا التدخل ضرورياً بعد إعلان كل من فرنسا وإنكلترا مشاركتها في  التحالف الدولي لضرب داعش في سورية. ومن المعلوم أن القوات الفرنسية هي من أخلّت بقرار مجلس الأمن حول الحظر الجوي في ليبيا، وقامت بضرب القوات الليبية في خرق واضع لنص القرار.

إن تداعيات التدخل العسكري المباشر لروسيا في سورية كبيرة للغاية على القوى الغربية ودورها في منطقة المشرق عموماً وسورية خصوصاً. إذ إن هذا الوجود مع مرور الوقت سوف يؤدي بالضرورة إلى ترسيخ بقاء القوات الروسية في سورية، وبالتالي تقييد أي عمل عسكري محتمل للولايات المتحدة وحلفائها. ذلك أن الجيش الأمريكي وبشكل مشابه لما حدث مع الأزمة الأوكرانية، لن يتورط في أي نزاع مسلح مباشر مع الجيش الروسي.

كذلك للتدخل الروسي تأثير مهم على إسرائيل، فمن المعروف أن إسرائيل لم تتورع عن القيام باعتداءات عسكرية ضمن الأراضي السورية بذريعة ضرب أسلحة تُنقل  إلى حزب الله. وفي الحقيقة كان توقيت العديد من هذه الاعتداءات يتناسب ومصلحة دعم التحرك العسكري للمجموعات الأصولية المسلحة في جنوب سورية وجنوب غربها. إن وجود نشاط عسكري روسي في سورية، وبشكل خاص حضور أنظمة دفاع جوي مأهولة بعناصر روسية، سوف يحد أو يمنع بالمطلق من إمكانية شن إسرائيل أي عمليات عسكرية في الجنوب السوري ومحيط العاصمة دمشق. ويوفر دخول القوات الروسية على الأرض دوراً استخبارياً هاماً قد يساعد الجيش السوري على استعادة مراكز حيوية هامة كان قد خسرها سابقاً خاصة في ريفي القنيطرة ودرعا. كما ستلعب الحرب النفسية دوراً مهماً، إذ إن وجود قوات روسية سيرفع من معنويات الحاضنة الشعبية للجيش السوري وعناصره المرابضة في نقاط القتال، في الوقت الذي سيبث القلق والوهن عند عناصر المجموعات الأصولية المسلحة، خاصة في حال انخراط القوات الروسية برياً بعتادها الحديث والمتطور. صحيح أن المجموعات المسلحة قد تُلحق بعض الخسائر بصفوف الجيش الروسي إلا أنها لايمكن أن تلحق بها الهزيمة، فالشرط الأفغاني الداخلي يختلف كلياً عن الشرط السوري، والجغرافيا السياسية لإقليم المشرق أكثر حساسية تجاه التوازنات الدولية مما كانت عليه منطقة وسط آسيا خلال الثمانينيات.

العدد 1183 - 23/01/2026