كي لا ننسى..الرفيق عبد الجليل سيريس (1911-1995)
من مواليد حلب عام 1911 في حي جب القبة، والده وحيد سيريس لاعب الشطرنج الأول في مدينة حلب آنذاك الذي وصلت سمعته إلى عاصمة الدولة العثمانية مما أنقذه من الترحيل الإجباري لما عرف بحرب (السفربرلك)، فأبقي في استانبول كي يلعب مع كبار الضباط العثمانيين.
بعد عودة وحيد سيريس إلى حلب أرسل ولده الصغير عبد الجليل للمدرسة، وتركها بعد سنتين ودخل مجال العمل وهو طفل بسبب وضع العائلة المادي الصعب، فالفقر والمرض كانا منتشرين في مدينة حلب، فعمل بداية في محل بيع للموالح (قضيماتي).
تميز عبد الجليل سيريس منذ نعومة أظفاره بطبعه الهادئ واتزانه واستقامته، فكان مرجعاً يأخذ برأيه المحيطون به في كثير من القضايا الشخصية والعائلية والمهنية وفيما بعد السياسية.
في نهاية العشرينيات من القرن الماضي وبعد الثورة الوطنية السورية الكبرى ساد في مدينة حلب كما المدن السورية الأخرى وضع سياسي وطني جارف مع انتشار للفقر والبطالة ووصلت للسوريين أخبار ثورة أكتوبر في روسيا، وبدأتْ تُسمع في أزقة حلب وأحيائها أخبار عن نشوء حزب جديد هو الحزب الشيوعي، وساعد على كل ذلك وصول أفواج المهاجرين الأرمن التي احتضنتهم الأرض السورية ومدينة حلب بشكل خاص والذين نقلوا أخبار السوفييت والبلاشفة.
و في هذا الجو تعرف عبد الجليل سيريس على الحزب الشيوعي عن طريق ابن أخته عامل النسيج (ربيع محبك)، فقد كانت الخلية الحزبية لعمال ورش العرقوب للنسيج من أولى خلايا الحزب في مدينة حلب، انتسب بعدها إلى الحزب الشيوعي في أوائل الثلاثينيات وكانت للخصال التي تميز بها أثر إيجاب في الوليد الجديد، فبدأت منظمة الحزب في حلب بالتوسع وقد ساهم بذلك أسلوبه بعدم استفزاز الأوساط المحيطة في الحزب بأمور الدين، واحترام معتقدات المتدينين، وساهم هو شخصياً بدخول عشرات الشيوعيين إلى الحزب في حلب وخارجها، فقد ورد في مقالة نشرت في مجلة (النهج) للكاتب الكبير حنا مينه بمناسبة الذكرى المئوية لميلاد كارل ماركس: (في دكان الحلاقة زارني رجل حلبي بطربوش، وقدم إلي نفسه باسم عبد الجليل سيريس وقال إنه سمع بي وإنه يزور اللاذقية في مهمة خاصة هدفها إنشاء النقابات وأشياء أخرى، وسألني عما أقرأ وأوصاني بمطالعة بعض الكتب وأعطاني كراسات صغيرة بينها كراس مترجم مؤلفه (سيجال) على ما أذكر، ومنه تعلمت المبادئ الأولى للفلسفة وأعطاني أيضاً البيان الشيوعي ومنه تعرفت على الماركسية).
إن توسع المنظمة وانتشارها كان من أهم العوامل في دخول الحزب بقوة في المعارك مع أرباب العمل وفي المعارك الوطنية مع الاحتلال الفرنسي، وكان النشاط السياسي آنذاك حكراً على حزب الشعب والحزب الوطني، فأثار هذا الوضع حفيظتهم، فبدؤوا بمضايقة الشيوعيين وأرسل حسن بيك مسؤول حزب الشعب في حلب وكان شخصاً غنياً ومتنفذاً في المدينة آنذاك أرسل تهديداً لعبد الجليل سيريس فكان لعبد الجليل موقفاً مشهوراً رفعت من هيبة الشيوعيين في حلب، إذ ذهب إليه في مقر حزبه ووقف أمامه وأمام حشد من أنصاره قائلاً:
(يا حسن بيك أنا أمامك.. أقول لك رأس عبد الجليل سيريس برأسك)! ثم أدار ظهره وعاد من حيث أتى وسط ذهول حسن بيك وجميع الحاضرين.
في أواخر الثلاثينيات أصبح واضحاً دور عبد الجليل سيريس فانتخب لقيادة منظمة حلب، ثم أصبح عضواً في المؤتمر الثاني للحزب عام 1943 فكان عضواً في هيئة رئاسة المؤتمر (صورة من أرشيف الحزب الشيوعي السوفييتي) وانتخب في نهاية المؤتمر لعضوية اللجنة المركزية.
مذ عرف عبد الجليل سيريس مسؤولاً للشيوعيين في حلب وبسبب نشاطه وجرأته وكلماته في الاجتماعات العامة موضحاً سياسة الحزب فاضحاً الاحتلال الفرنسي داعياً للاستقلال، بدأ مسلسل اعتقاله وكان آخر حلقاته عام ،1940 إذ اعتقل ونقل إلى بيروت وحوكم أمام المحكمة العسكرية للمحتل، فوقف أمام القاضي الفرنسي مدافعاً عن نفسه بعد رفضه أن يعين له محامياً رافضاً هذه المحاكمة داعياً لاستقلال سورية، وقد حكم عليه بالسجن لمدة خمس سنوات قضى منها سنتين في سجن بيروت، ثم نقل بعدها إلى سجن حلب وأفرج عنه بعد فترة بقرار من سلطة الاحتلال، ثم اعتقل بداية عام 1945 ووضع في سجن حلب ونجا بأعجوبة من قصف الطيران الإنكليزي للسجن، الذي استشهد فيه عشرات المساجين، وأطلق سراحه بعد سقوط حكومة فيشي في باريس وعودة شارل ديغول إليها مع قرب انتهاء الحرب العالمية الثانية.
بعد الاستقلال توسعت منظمة الحزب في حلب كثيراً بقيادة الرفيق عبد الجليل وزاد دورها في النضال الطبقي والمطلبي، وافتتح الحزب مكتباً له في شارع بستان كليب. ولم يتأخر الوقت حتى بدأت المضايقات من جديد فاعتقل عام 1947 لعدة شهور، ثم اعتقل مع بداية انقلاب حسني الزعيم عام 1949 وأرسل إلى سجن المزة وأطلق سراحه مع انتهاء حكم الزعيم.
كانت مرحلة اعتقاله إبان دكتاتورية حسني الزعيم صعبة جداً على عبد الجليل سيريس، فقد نشأت لديه صعوبات عائلية جدية، فآثر الابتعاد عن قيادة منظمة حلب وساعد على ذلك وجود رفاق آخرين بدأ دورهم يظهر مثل الرفيق المحامي البارز أحمد محفل والرفيق النقابي خالد حمامي والمدرس عبد الفتاح محبك، وكان لهم دور مهم في قيادة المنظمة وفي عمل الحزب في مراحل لاحقة.
ومع بداية مرحلة الحكم البرلماني عام 1954 دخل الحزب مرحلة جديدة وأصبح الحزب علنياً، فابتعد الرفيق عبد الجليل سيريس عن العمل التنظيمي المباشر وظل قريباً من حزبه يقوم بما يطلب الحزب منه خاصة في فترة الوحدة السورية المصرية الصعبة، وبقي مخلصاً لمبادئه وقناعته بحتمية انتصارها، داعياً دائماً لوحدة الحزب رافضاً أي عمل تقسيمي ورفض أي دعوة لتغيير موقفه.
تزوج الرفيق عبد الجليل سيريس عام 1944 من ابنة الشيخ الجليل المتنور قدري دلال، إمام وخطيب جامع العثمانية التاريخي المشهور في حلب، وأنجب منها ستة أولاد زرع فيهم حب الناس والوطن والحزب وحرص على تسليحهم بالعلم.
توفي عام 1995 بعد أن أقعده المرض.
ستبقى ذكراك أيها الرفيق عبد الجليل سيريس حية في قلوب كل الشيوعيين.