الصناعة السورية الواقع.. المعوقات.. الاقتراحات
شهد عام 2014 تعثر الجهود الدبلوماسية لحل الأزمة في سورية، وتصاعد حدّة الصراع المسلح واتساع رقعته بشكل خاص في شرق وشمال وجنوب البلاد، ما أدى إلى إلحاق المزيد من الأضرار بالبنى التحتية والمنشآت الاقتصادية والخدمية، سواء داخل المدن والمناطق الصناعية أو خارجها، وإلى زيادة عدد القتلى والجرحى والمهجرين، وارتفاع حدة البطالة، وهجرة الرساميل والكفاءات الوطنية. وقد شهدت الفترة ذاتها نقصاً كبيراً في الطاقة الكهربائية والمحروقات وصعوبة في نقلها وارتفاع تكاليفها، بسبب سيطرة الجماعات المسلحة على مناطق انتاج ونقل النفط والغاز، وعدم انتظام عملية استيراد هذه المواد وفق احتياجات السوق المحلية.
أولاً- خسائر القطاع الصناعي
أدت الأوضاع السائدة إلى إلحاق اضرار وخسائر كبيرة بالقطاع الصناعي بشقيه الخاص والعام سواء بالشكل المادي المباشر أو بفوات الربح، حيث يزداد حجم خسائره يوماً بعد يوم نتيجة استمرار الأعمال العسكرية من ناحية، وصعوبة الوصول إلى العديد من المعامل في المناطق المشتعلة وحصر وتقدير أضرارها من ناحية اخرى. وتشير آخر الأرقام المعلنة من وزارة الصناعة وغرف الصناعة أن إجمالي قيمة الأضرار والخسائر التي لحقت بالقطاع الصناعي السوري نتيجة التدمير والتخريب والسرقة بلغت حتى الآن نحو 630مليار ليرة سورية. كما بلغ عدد الشركات الخاصة المتضررة التي حصرت نحو 1379 منشأة منها 962 بحلب و321 بدمشق وريفها و71 في حماه و25 في حمص، وبلغت قيمة الأضرار الاجمالية في القطاع الخاص نحو 300 مليار ليرة سورية. كما جرى تسريح أعداد كبيرة من العمال وتوقف العديد من المنشآت والمشاغل متناهية الصغر التي كانت تزوِّد المنشآت الصناعية الصغيرة والمتوسطة ببعض الخدمات الانتاجية. وقد بلغ عدد العمال الذين خسروا عملهم إثر توقف معامل القطاع الخاص الصناعي فقط 800 ألف عامل حسب وزارة الصناعة، منهم 200 ألف عامل مسجلين في التأمينات الاجتماعية، وهناك تقديرات أخرى تشير إلى أن هذا العدد قد تجاوز المليونين.
أما بالنسبة للقطاع القطاع العام الصناعي فقد بلغت خسائره الاجمالية نحو 330 مليار ليرة سورية منها حوالي 127 مليار ليرة سورية أضرار مباشرة. وقد أدّت الأزمة إلى خروج 49 شركة ومعمل ومحلج من الإنتاج، إضافة إلى 14 شركة ومحلجين كانت متوقفة قبل الأزمة، وذلك من أصل 116 شركة ومعمل ومحلج تعود لثماني مؤسسات صناعية عامة تابعة لوزارة الصناعة. وقد بلغت قيمة الأضرار التي لحقت بشركات المؤسسة العامة للصناعات الكيميائية نحو 48 مليار ليرة سورية، وفي المؤسسة العامة لحلج وتسويق الأقطان 43 مليار ليرة، في حين بلغت قيمة أضرار المؤسسة العامة للصناعات النسيجية 24 مليار والمؤسسة العامة للاسمنت 23 مليار، والمؤسسة العامة للصناعات الهندسية 19 مليار، والمؤسسة العامة للتبغ 15 مليار، والمؤسسة العامة للصناعات الغذائية 12 مليار، والمؤسسة العامة للسكر أكثر من 6 مليار. مع الإشارة إلى أن قيمة الأضرار المباشرة احتسبت وفق القيمة الدفترية، في حين جرى حساب الأضرار غير المباشرة، والمتمثلة بفوات الإنتاج والاستفادة من الطاقات المتاحة في الشركات، حسب الأسعار الجارية.
لا تنحصر خسائر القطاع الصناعي بسبب الأزمة بالخسائر المادية من تدمير وسرقة، بل تتعداها إلى هجرة أعداد غير قليلة من الصناعين مع أموالهم إلى البلدان المجاورة وغيرها، إضافة إلى هجرة العديد من الكفاءات من الفنيين والعمال لأسباب عديدة، ما أدى إلى نقص كبير في الأيدي العاملة الفنية التي تحتاجها المنشآت الصناعية حالياً في عملية إعادة التأهيل والتشغيل، وفي الوقت الذي ترتفع فيه معدلات البطالة والمهجرين، فإن عملية الحصول على الفنيين والعمال المهرة لم تعد عملية سهلة.
ثانيا- التعامل مع الأزمة
شهد عام 2014 تحسناً في النشاط الصناعي سواء في المدن والمناطق الآمنة أصلاً، أو في المدن والمناطق التي استعادتها القوات النظامية والمستقرة. وقد ساهمت هذه الأوضاع نسبياً في تشجيع عدد متزايد من الصناعين على التعامل مع الأزمة والتوجه لتأهيل وتشغيل منشآتهم في المدن الصناعية ( عدرا، حسيا، الشيخ نجار) وبعض المناطق الصناعية في ريف دمشق وحلب وحماه.
1- تزايد عدد المنشآت الصناعية التي يجري تأهيلها وإعادة تشغيلها، وبشكل خاص المنشآت التي لم تكن أضرارها كبيرة، وبالتالي لاتتطلب من أصحابها نفقات عالية لتأهيلها، ويمكن عودتها للانتاج في وقت قصير، إضافة إلى استمرار الانتاج في المنشآت الصناعية التي توزعت في المدن والأحياء الآمنة والمواقع المجزأة. وحسب تصريحات المسؤولين المعنيين في وزارة الصناعة وغرف الصناعة واتحاد المصدرين وإدارات المدن الصناعية. استعادت مدينة عدرا الصناعية90 % من طاقتها الإنتاجية التي كانت عليها قبل استهداف االجماعات المسلحة لضاحية عدرا العمالية ومحيطها، وأعيد تشغيل 906 معملاً فيها. كما خُصصت أرض لغرفة صناعة دمشق بمساحة /110/ دونمات لإقامة تجمع للصناعات الصغيرة والمتوسطة يضم /330/ منشأة، فضلاً عن تخصيص نقابة المهندسين بأرض مساحتها /180/ دونماً لإقامة مجمع للصناعات الإنشائية، وتخصيص نقابة الصيادلة بـ /90/ دونماً لإقامة مجمع دوائي. كما عادت 110 إلى 120 منشأة صناعية وحرفية في المنطقة الصناعية بيبرود وريمة والنبك.
2 – جرى البدء بتنفيذ مبادرة العنقود الصناعي النسيجي المصغر في (المنطقة الحرة باللاذقية)، وذلك من خلال تخصيص 13 شركة صناعية مختصة بمجال النسيج وصناعة الألبسة الجاهزة والصباغة من صناعيي مدينة حلب المتضررين جرّاء الأزمة، بمقاسم جاهزة للبدء بالإنتاج. وتتوزع هذه الشركات بواقع 9 شركات تعمل في مجال الخياطة والألبسة الجاهزة، وشركة واحدة في مجال النسيج والصباغة والتحضير، وواحدة في مجال طباعة الألبسة، وواحدة في مجال التطريز والإكسسوارات، وشركة واحدة في مجال لوازم الخياطة ومستلزمات الإنتاج..
3 – كما خُصص 384 مقسماً صناعياً لنحو 300 صناعي ضمن توسع المنطقة الصناعية في محافظة حماه لاستيعاب الصناعيين الذين تضررت منشآتهم أوالتي تقع في مناطق غير آمنة..كما تم فُتح باب الاكتتاب على 409 مقسماً صناعياً، وبمساحة 1500 دونم في منطقة أم الزيتون محافظة السويداء.
4 – وأعيد تشغيل 16 شركة ومنشأة عامة متوقفة من شركات القطاع العام الصناعي سواء بمقراتها الأصلية أو في مقرات مؤقتة جديدة مثل تاميكو، الانشاءات المعدنية،المنظفات، الزجاج المحجر، ألبان دمشق، الاسمنت، الأسمدة، المنتجات البلاستيكية وعدد من الشركات النسيجية الأخرى بدمشق. اضافة لتدشين معمل انتاج الدخان المعسل ومعمل الغلافات المطبعة في مدينة جبلة بكلفة 130 مليون ليرة سورية. كما جرى الاتفاق مع شركة صينية لإعادة تأهيل معمل الاطارات بحماه مقابل نسبة من انتاجه. كما وُقّع عقد مع شركة سنشري لتوريد / 7000 / مجموعة تلفزيونية لشركة سيرونكس.
ثالثاً- المعوقات:
واجهت عملية إعادة تأهيل وتشغيل المنشآت الصناعية في عام 2014 مجموعة من الصعوبات والمعوقات، أغلبها من جانب الجهات العامة المعنية، وفي مقدمتها:
1- التأخر في تحديد وتقرير وصرف التعويضات للصناعيين المتضررين، حتى ولو بجزء مقبول يمكنّهم من إعادة ترميم وتشغيل منشآتهم.اضافة إلى انخفاض نسبة صرف التعويض المقررة البالغة 10% للمشاريع ذات الأضرار الكبيرة التي تتجاوز 100 مليون ليرة سورية، ومطالبة الصناعيين بضرورة رفعها إلى 30 مليون ليرة.
2- البطء في إعادة تأهيل المرافق العامة من ماء وكهرباء وطرق وصرف صحي في عدد من المناطق الصناعية المتضررة.وفي تأمين المواقع الآمنة، إذ لم يتم فعلياً حتى الآن سوى تأمين عدد محدود من هذه المواقع، في حين يتولى الصناعيون في معظم الحالات تدبير ذلك بأنفسهم. إضافة إلى التضييق الواقع في غير محله بالنسبة للمنشآت الصناعية الموزعة في المناطق والأحياء الآمنة، ومطالبتها بأمور لايمكن تلبيتها إلا في ظروف العمل الطبيعي.
3- استمرار صعوبات نقل العمال ومستلزمات الانتاج والإنتاج الجاهز، وارتفاع تكاليفها بسبب زيادة أسعار المحروقات، وصعوبات عبور الحواجز، ووجود عدد من الممارسات السلبية في بعضها.
4- وضع قيود وشروط صعبة بالنسبة للوضع الحالي للصناعيين لجهة فتح الإعتمادات ومنح اجازات الاستيراد والشحن والتعهد بإعادة القطع الأجنبي.
5- عدم توفير التمويل اللازم سواء لإعادة التأهيل أو تشغيل المنشآت الصناعية. وقد أعلن رئيس غرفة صناعة دمشق مؤخراً أن الحكومة وافقت على تذليل بعض العقبات أمام الشركات الصناعية في عدرا الصناعية، وذلك من خلال موافقتها على منحهم قروضاً تشغيلية قصيرة الأجل لمدة عام، مقدراً أن تكون هذه القروض بين 10 إلى 20 مليون ليرة وبحسب الترتيبات التي يمكن التوافق عليها بين صاحب القرض من الصناعيين والبنوك العاملة في سورية.
6- رفع أسعار المحروقات ( المازوت والفيول)، ما أضاف صعوبات جديدة للمنشآت الصناعية، وبشكل خاص تلك التي تستخدم الطاقة بشكل كبير، ترافق مع عدم توفر المادة بشكل نظامي، ما أدى إلى ارتفاع اسعارها بشكل كبير في السوق السوداء، وارتفاع أجور النقل، في ذات الوقت، الذي سمح فيه للقطاع الخاص باستيراد المازوت بشكل مباشر، إلا أن سعر مبيع هذا المازوت بين الصناعيين كان بمستوى أسعار السوق السوداء.
7- تذبذب أسعار القطع وارتفاعه بشكل مستمر، اضافة إلى عدم اعتماد سعر محدد للقطع الأجنبي وتثبيته لفترة محددة تكفي لشراء ونقل مستلزمات الانتاج المستوردة.
رابعاً- المقترحات
يتطلب النجاح في إعادة تأهيل الصناعة السورية العمل على مستوى السياسات الكلية ( الحكومية ) والمتوسطة ( المؤسسات الداعمة ) والجزئية ( المنشآت) لانجاز ما يلي:
1- العمل بسرعة وجدية لانجاز عملية المصالحة والإصلاح الحقيقيين وإعادة الأمن والأمان للبلاد والتزام كافة الأطراف المعنية بها.
2- المحافظة قدر المستطاع على وجود واستمرارية العمل في المنشآت الصناعية التي ما تزال قائمة وتعمل أو تستعد لذلك، والمعالجة السريعة والفعالة لما تواجهه من مشاكل (المواقع البديلة المؤقتة، الحماية والأمن، النقل، المحروقات، التمويل، الاعتمادات، فتح الأسواق، الديون والالتزامات المالية…) وذلك في إطار العمل على تحريك عجلة الاقتصاد الوطني عموماً والقطاع الصناعي خصوصاً لتلبية حاجة السوق المحلية، وإعادة التصدير، واستيعاب ما يمكن من العاطلين عن العمل، ورفد موارد الخزينة العامة، وتخفيف أعباء كلفة إعادة التأهيل بعد الأزمة قدر الإمكان.
3- متابعة العمل على تأمين مواقع بديلة آمنة للمنشآت الصناعية التي دُمِّرت أو يصعب الوصول إليها، واتخاذ الاجراءات المشتركة اللازمة والسريعة لتوفير الأمن والأمان في المناطق والمدن الصناعية، وفي تنفيذ المناطق الصناعية الجديدة، وتسهيل نقل المنشآت الصناعية اليها، والتغاضي مؤقتاً عن المنشآت الصناعية غير الملوثة التي توزعت داخل المدن والأحياء ريثما يتوفر البديل.
4- تسهيل توفير التمويل الممكن لتنفيذ برنامج إعادة تأهيل وتحديث الصناعة بالتكامل مع برنامج إعادة تأهيل الاقتصاد السوري وبرنامج إعادة الإعمار.
5- إطلاق حملة وطنية أهلية شاملة (غير حكومية ) لتشجيع وحث المواطنين على دعم الصناعة الوطنية بشراء المنتج الوطني، وبيان أثر ذلك على معالجة آثار الأزمة اقتصادياً واجتماعياً.
6- تقديم الدعم الفني اللازم لتمكين المنشآت الصناعية على تجاوز آثار الأزمة، التي لا تقتصر فقط على الأبنية والآلات وإعادتها إلى ما كانت عليه قبل الأزمة، بل تتطلب استدراك ما فاتها ومعالجة المشاكل الأساسية الإدارية والتنظيمية والتسويقية والمالية التي كانت تعانيها.
7- إحداث صندوق وطني لإعادة تأهيل وتشغيل المنشآت الصناعية بتقديم القروض والتسهيلات بشروط ميسرة للصناعيين المتضررين وتعويضهم لنقل وإعادة إعمار وتشغيل منشآتهم، أو إعادتها إلى سورية في زمن محدد ووفق شروط وحوافز محددة ( فوائد منخفضة، فترة سماح مقبولة، فترة سداد طويلة، ضمانات سهلة ).
المراجع:
1- فؤاد اللحام – إعادة تأهيل الصناعة السورية: ورقة عمل مقدمة لمؤتمر الهيئة العليا للبحث العلمي – تشرين ثاني 2014
2- فؤاد اللحام – الصناعة السورية في ظل الأزمة: الواقع والمطلوب- ورقة عمل- جمعية العلوم الاقتصادية السورية – حلقة نقاشية أيار 2014.
3- برنامج التحديث والتطويرالصناعي في سورية – الصناعة السورية في مرحلة ما بعد الأزمة2013.
4- تقارير تتبع تنفيذ الخطط السنوية – وزارة الصناعة
5- تقارير مديرية الاستثمار الصناعي – وزارة الصناعة.