القطاع العام الصناعي في سورية خلال الأزمة.. خسائر وترهل ومحاولات لإنعاشه
القطاع العام الصناعي الذي يعتبر إحدى حلقات العمود الفقري للاقتصاد السوري لم يكن بمنأى عن الأزمة في سورية، فرغم ترهله قبل الأزمة وخسائره الكثيرة، فقد زاد الطين بلة أن كبدته الأزمة خسائر وصلت قيمتها وفق آخر التقديرات إلى نحو 568 مليار ليرة، بما فيها المدن الصناعية، ومقدرة وفق القيمة الدفترية للموجودات الثابتة وفوات المنفعة، عدا ذلك فإن القطاع الصناعي العام يشغّل وفق مسح أجراه المكتب المركزي للإحصاء خلال 2011 نحو 87057 عاملاً وبلغت كتلة رواتب العاملين وأجورهم في العام 23.8 مليار ل.س.
وفي حال استعرضنا عدد الشركات والمصانع المتوقفة عن العمل والمتضررة فقد بلغ عددها نحو 1300 منشأة، وتشكل 53% من إجمالي المنشآت البالغة نحو 2300 منشأة، وهي تشكل نسبةً بسيطةً من الإجمالي العام للمنشآت الصناعية السورية، وأغلبها حرفية صغيرة، وكان يبلغ تعدادها نحو 100 ألف، علماً أن مصير هذه المنشآت وظروفها الاقتصادية خلال الأزمة ومستوى استمرارها أو توقفها غير واضح أو غير معلن حتى الآن.
وأشار بعض الباحثين إلى أن الأرقام التي أوردتها وزارة الصناعة في سورية عن حجم الأضرار التي أصابت منشأت القطاع الصناعي منذ بداية الأزمة، هي أرقام غير دقيقة وغير حقيقية ولا تتناسب مطلقاً مع الواقع الحقيقي لحجم الأضرار، فالمبلغ الحقيقي يتفوق على هذه التقديرات 6 مرات على الأقل.
ويعاني القطاع العام الصناعي في سورية سابقاً وحالياً من خسائر اقتصادية ناتجة عن الترهل وغياب المرونة في التعاملات والتعاقدات، فقد أشار تقرير لوزارة الصناعة خلال 2014 إلى عدم قدرة النظام الإداري الحالي للقطاع العام الصناعي على التماشي مع متطلبات المرونة اللازمة لإدارة شركاته، وذلك بسبب القيود الإدارية والمالية والتشريعية التي يعاني منها والتي تجعله غير قادر على منافسة القطاع الخاص أو السلع المستوردة، كما أكد وزير الصناعة كمال الدين طعمة خلال 2014 أن معظم المشاكل التي يعاني منها القطاع العام الصناعي هي مشاكل إدارية تتعلق بضعف الأداء، لافتاً إلى وجود توزع جغرافي غير متناسب للمنشآت والمعامل الصناعية، نتيجة عدم وجودها في مناطق الإنتاج الزراعي، الأمر الذي يرتب أعباء على عملية النقل وزيادة في كلف الإنتاج، مبيناً أن الوزارة تعمل حالياً على فكرة العناقيد الصناعية المعمول بها في معظم الدول المتقدمة، إلا أن باحثاً اقتصادياً أشار إلى أنّ المطلوب لتنشيط القطاع العام هو العمل على حل مشكلة الفساد المستشري في جميع جوانبه.
كما أن العقوبات الاقتصادية الجائرة على الاقتصاد السوري أثرت على القطاع الصناعي، فقد أثرت على توفر القطع اللازمة للمصانع وعمليات الاستبدال والتجديد، وعدا ذلك يعاني القطاع العام من تدني نسبة الاستفادة من الطاقات الإنتاجية، وظهور مشكلة رواتب العمال في الشركات الواقعة في المناطق الساخنة، وتوقف الإنتاج، بغض النظر عن استمرار عبء رواتب العاملين في الشركات المتوقفة عن العمل والتشابكات المالية بين بعض الشركات وجهات عامة مختلفة، إضافة إلى ضعف التسهيلات الائتمانية المتبادلة بين المصرف التجاري السوري والمصارف الأجنبية المعتمدة، وصعوبة تأمين المواد.
وأوضحت دراسة حكومية خلال 2013 أن القطاع العام الصناعي يعاني من ترهل وهدر وخسائر تستنزف سنوياً عشرات المليارات من الخزينة العامة، الأمر الذي يتطلب ضرورة العمل على إعداد استراتيجية إصلاح القطاع العام الصناعي والسعي الفعلي وبخطوات جادة لإصلاحه وفق سياسات منهجية وبرنامج زمني محدد.
وسعت وزارة الصناعة إلى إصلاح القطاع العام الصناعي وشكلت لجنة استشارية مهمتها وضع رؤية لإعادة تأهيل القطاع الصناعي لما بعد الأزمة، وحاولت خلال الأزمة إحياء بعض الشركات المتوقفة بعدة خطوات وقرارات منها اعتماد مبدأ المصانعة، التي كانت محصلتها إعادة تشغيل 16 شركة، ما خفف الأعباء المالية وحدّ من خسائرها، كما توجهت إلى التشاركية، إذ أبرم ملحق عقد مع شركة أبولو الهندية لإعادة تشغيل معمل حديد حماة، وتم إعادة تشغيل شركات الغزل والنسيج وبعض المحالج من خلال اعتماد مبدأ التشغيل للغير (المصانعة)، مقابل مبالغ تغطي النفقات الثابتة والرواتب والأجور وقيمة الكهرباء (شركة غزل اللاذقية – الساحل للغزل – جبلة للغزل – محلج الفداء بحماة)
وخلال 2013 أوضحت وزارة الصناعة في مذكرة لها، أنها قامت بإجراءات عديدة لتسهيل عمل القطاع العام الصناعي لمواجهة العقوبات الاقتصادية وإعطاء صلاحيات واسعة لمجالس إدارة المؤسسات والشركات، وصدر المرسوم التشريعي رقم 37 تاريخ 6 تشرين الثاني 2013 القاضي بتشكيل لجنة تقضي بالجواز للجهات العامة تأمين احتياجاتها دون التقيد بالقوانين والأنظمة النافذة، كما سُمح لمؤسسات وشركات القطاع العام الصناعي، بالنقل استيراداً وتصديراً بالطرق التي يجدونها مناسبة محلياً وعالمياً دون التقيد بشرط النقل، والسماح لهذه المؤسسات بالإقراض والاقتراض من بعضها البعض لتمويل العمليات الإنتاجية والاستثمارية.
وشكلت محافظة دمشق خلال 2013 لجنة خاصة لبحث إمكانية استثمار معامل القطاع العام الصناعي المتوقفة عن العمل، منذ عشرات السنوات والموجودة في المحافظة، ورفض وزير الصناعة خصخصة أي شركة من شركات القطاع العام الصناعي أو مشاركة القطاع الخاص في ملكيتها، موضحاً أن ما هو متاح فقط المشاركة في الإنتاج والتسويق.
وبالنظر إلى الشركات الصناعية العامة الرابحة فهي تعد على أصابع اليد الواحدة، فمنها مؤسسة التبغ التي بلغت أرباحها خلال 2013 نحو 14.630 مليار ليرة، أما الشركة العامة للإسمنت بطرطوس فذكرت أنها حققت أرباحاً تقدر بنحو 3.578 مليارات ليرة خلال السنوات الثلاث الماضية، أما الشركة العامة لصناعة الإسمنت بحماة فلفتت إلى أنها حققت أرباحاً خلال 2013 بلغت نحو مليار و550 مليون ليرة، كما حققت بعض شركات المؤسسة النسيجية أرباحاً منها شركة الشرق للألبسة الداخلية بلغت خلال 2013 نحو 188 مليون ليرة.
أما الصادرات الصناعية الخاصة بالقطاع العام فهي حالياً مجهولة الأرقام، إلا أن معظم الصادرات المصنعة ونصف المصنعة من الصادرات اتجهت إلى الانخفاض لمصلحة تزايد نسبة المواد الخام خلال الفترة 2010-2013 ما انعكس سلباً على أسعار الصادرات وعلى قدرتها التنافسية في الأسواق الدولية، وتركزت معظم الصادرات الصناعية على المواد الخام، وبالرجوع إلى ما قبل الأزمة السورية، فقد وصلت قيمة صادرات مؤسسات القطاع العام الصناعي خلال 3 أشهر من عام 2011 إلى 5586 مليون ليرة سورية.