ذاكرة الطريق وطريق الذاكرة

رحل محمد دكروب.. لكن سيرة أخرى، سيرة كفاحه النبيل المتماهي بهويته الفكرية-النضالية ستطرح على القراءة شكلاً استعادياً، لا يختزل بهويته الأيديولوجية التي ستكون مفتاح القراءة، بقدر ما تعني الاستعادة الوقوف على رؤية معاصرة، لمسار إبداعي معين وصولاً إلى ما يعين على الاستدلال بأن تلك العلامات الباهرة، التي أنجزها دكروب هي في صلب مشروعه التنويري الحواري المحكوم بهواجسه المعرفية المنتجة، فصاحب (جذور السنديانة الحمراء) و(وجوه لا تموت في الثقافة العربية) و(خمسة رواد يحاورون العصر) و(الذاكرة والأوراق) وغيرها، هو صورة باذخة عن إسهام مثقف وباحثٍ طليعي، تنكّب مسارات ووجوه اتجاهات في الثقافة العربية، ليس بالمعنى (الأنطلوجي) بل بما يغذّي مشروعة الأصيل، بمنهجية واضحة تنطلق من أفعال تأصيلية لمواقف العديد من أعلام الموجة الثالثة للنهضة والحركة التنويرية العربية، مثّله ذلك الالتفات لدراسة التراث التقدمي الديمقراطي دراسة علمية معاصرة، وهذا في صلب منهجيته، ودللّ عليه اختياره لنصوص كاملة من مجلدات السنوات الخمس الأولى (1941-1946) لمجلة (الطريق) للرواد، ومنها ما يشكل وثيقة تاريخية، فضلاً عن مسار النوع الكتابي الذي اندرجت فيه.

اختار دكروب-الكتابات الأولى التي نشرها كتّاب ناشئون في تلك الأيام، وصاروا من الرموز الكبيرة في الثقافة العربية المعاصرة المضيئة، كما يقول محمد دكروب، ولعلنا نجد في انتباهته لكتابة رئيف خوري الذي سيحتفي به طويلاً في (المادية الدياليكتيكية)، وكامل عياد (الاشتراكية العلمية)، وعمر فاخوري في كتابته عن المعري، لكن العلاقة الأبرز كانت علاقة محمد دكروب بمجلة (الطريق) وكيف كانت (الطريق) مشروعه الشخصي فكرياً وروحياً وكشفاً معرفياً للآفاق، لينجز فيها إضافةً إلى ما وضعه من كتب ذروة مشروعه وتجلياته، لا سيما في تقديمه للملفات الفكرية والثقافية والسياسية  لعلامات سامقة في الفكر العربي، ولعلنا نجد دليل ذلك في تقديمه للروائي عبد الرحمن منيف معتبراً إياه روائياً عربياً شاملاً، وكذلك لمئوية الشاعر ناظم حكمت وغيرها من الملفات الكثيرة  التي كشف بها دكروب عن أصالة نظرته إلى النصوص وتحريرها مما علق بها، ليقف على معانيها وأسرار قيمتها المعرفية، ما يعني وضوح مرجعيته الفكرية المؤسسة على نصوص كبار المفكرين والفلاسفة الذين ساهموا بإغنائها من أمثال فولتير وروسو ولامنيه وزولا وأناتولي فرانس وغيرهم.

فعلاقته إذاً بمجلته الطريق محرراً وباحثاً وناقداً ومستشرفاً أخذت كل مدياتها. لقد جعل منها بحق مشروعه الفكري الشخصي، وجعل تلك الحقيقة أمام قرائها وكتابها على حد سواء. واللافت في مآثره هو إشاعة الفكر النقدي وترسيخ ثقافة الحوار والنقد والانتقاد بين الماركسيين والتقدميين العرب والتيارات الأخرى، فعنده عبد الرحمن منيف يكتب روايات تنتمي إلى النهر الصديق أو الصديق النهري الذي يفيض نوعاً وكماً واحتشاداً وفضاءاتٍ لا يحمل في فيضانه سوى الطمي والخصب والبشارة، فهي حياة جديدة للمجتمع في سائر رواياته، فقد كانت الطريق بهذا المعنى هي جامعته التي تخرج فيها وقدم من خلالها عشرات الكتاب والمفكرين العرب من منصة المساءلة للنصوص وحيازة دلالتها القادمة، مثله في ذلك مثل الروائي السوري الكبير حنا مينة الذي قال: (في حياتي كثيراً ما أسأل في أي جامعة تخرجت، أقول الحقيقة، لكن سائلي لا يصدق … حسناً وجدتها! بعد اليوم سأقول تخرجت في جامعة الطريق، ورسالة دكروب إليّ شهادتي).

لقد وجد النقاد فيما أنجزه الراحل دكروب الكثير مما يغذي درسنا النقدي العربي القائم على المحايثة والاختلاف، لا التبشير فحسب، بل البحث عن المختلف في مفاصل ما أنجزه المبدعون العرب وما يؤسس حقاً لقراءة استعادية فاعلة يعول عليها أن تجد في تلك المحطات الوافرة ثراء الدلالة وتعددية المعنى لمن كان يشيع في أبحاثه ونصوص نقده النفس الملحمي والطابع الدرامي، لا سيما في كتابه (خمسة رواد يحاورن العصر).

وإذ تفقد الطريق واحداً من أكبر علاماتها الفارقة، لكنها اليوم ستطمئن إلى ما أنجزه دكروب في سياقه التاريخي وفي مراحله الزمنية المتعددة المتصلة المنفصلة، سيمكن ضمير القراءة من أن تجد أفقاً واسعاً يقرأ الإبداع العربي في دلالته الفكرية ومرجعياته وآفاقه الإنسانية الأكثر حريةً من اختزالها في أنساق سياسيةٍ بعينها، فزمن دكروب هو زمنٌ قادمٌ من المستقبل مشبعٌ بأصالة نهضوي عربي توغل طويلاً في مساحات التاريخ الأدبي وفي أنحاء عماراته المتعددة في أنواعها وأجناسها، ليكون بحق ذاكرة الطريق المشعة ودليلها إلى أن ما يخلد فقط هو الأثر الدال على بقاء الروح الصانعة للمعنى وللحدث ولتاريخٍ يقرأ من داخله تماماً، ليفيض بسيرةٍ تستحق الانتباه لصيقة بصاحبها في الوجوه التي لا تموت في الثقافة العربية الحديثة.

قالوا مات الشيوعي (العتيق)، لكن الموت هنا مجرد استعارة وما يقابلها دورة حياة للإبداع  تستمر بالتلقي والاكتشاف والانتباه والقراءات الفاحصة لفردٍ أصبح جمعاً، ولمحمد دكروب رجلاً في مؤسسة ومؤسسة في رجل.

أستاذي محمد دكروب! لن أودعك، إنني أستقبلك من جديد وكأنك تكتب لأول مرة وتحاججني بصيرورة المصطلح وبطرافتك الدائمة التي أعرف أنها جاءت من قراءاتك العميقة في الأدب الساخر ومن نأيك عن المقدمات الطويلة، لتكون تماماً مثلما كنت تهمس لي إنها عتبة تأسيس تمنح مفتاحها الذهبي للداخل وعليه ألا يضيّعه على الإطلاق.

العدد 1194 - 15/04/2026