«معك» كتاب يحكي سيرة «العميد الضرير» ودوره الريادي في حركة التنوير والثقافة العربية المعاصرة
احتفاء بذكرى مرور أربعين عاماً على وفاة عميد الأدب العربي طه حسين (1889-1973) أقامت العديد من المنابر الثقافية المصرية والعربية ندوات، سلطت فيها الأضواء على مكانة الراحل المرموقة في الفكر العربي باعتباره نموذجاً للمفكر الموسوعي المؤمن بأن له دوراً اجتماعياً يتجاوز أسوار الجامعة، فهو الذي أطلق صيحة (التعليم كالماء والهواء) حين أصبح وزيراً للمعارف (التعليم) عام 1950.
وطه حسين -الذي فقد بصره طفلاً- صاحب أول درجة دكتوراه تمنحها الجامعة المصرية عام 1914 قبل أن يذهب في العام نفسه إلى فرنسا لدراسة علم الاجتماع والفلسفة وينال الدكتوراه عام 1918 في (الفلسفة الاجتماعية لعبد الرحمن بن خلدون) من جامعة (السوربون).
ورغم العقود الأربعة التي مضت على غيابه الجسدي، فإنه بقيَّ حاضراً في المشهد الثقافي على امتداد خريطة الوطن العربي، ولم يهدأ غبار المعارك التي أثارها طوال حياته، ولا حتى بعد العام الأربعين من الغياب. ولما لم ينل منه خصومه في حياته، وبقي رائد حركة التنوير لمن بعده، سُرق تمثاله مؤخراً من قلب مدينته ومسقط رأسه (المنيا) في غارة أخيرة على ما تبقى من إرث العميد.
وقد خاض الراحل سجالات مع ساطع الحصري حول القومية العربية، وحين جاء الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر حاملاً لواء القومية وقف إلى جانبه، وهاجم معه الإخوان المسلمين، وهو الذي كان قبل عهده وزيراً للمعارف.
وكانت أولى معاركه وإشكالاته الفكرية حين ألف كتابه عن أبي العلاء المعري (مع أبي العلاء في سجنه)، إذ اتهم بالزندقة والإلحاد. وهي أول رسالة جامعية له، ووقتذاك طالب أحد أعضاء الجمعية التشريعية بحرمان طه حسين من حقوق الجامعيين، لأنه ألف كتاباً فيه كفر وإلحاد، إلا أن تدخل الزعيم الوطني سعد زغلول حال دون ذلك.
لكن المعركة التي أثارت كثيراً من الزوابع بعد ذلك كانت إثر عودته إلى مصر وتأليفه كتابه (في الشعر الجاهلي)، إذ أصدر أحد النواب الوفديين استجواباً بشأن الكتاب. ولما كانت الوزارة برئاسة عدلي باشا فقد هدد بالاستقالة إذا أضير طه حسين.
كل ذلك جزء من تحولات مبدع السيرة الذاتية في الأدب العربي (الأيام)، لكن لا أحد من الذين انتقدوا أفكاره واختلفوا معه ينكر ريادته الفكرية وجهوده التنويرية، التي قدمها في كتابه الموسوم (مستقبل الثقافة في مصر). وأنه صاحب منهج وبيان النهضة، وهو الكاتب والروائي والناقد الأدبي، وكاتب القصة القصيرة، والشاعر، وصاحب المقال السياسي الإصلاحي، وصاحب النظرية التربوية، وهو المؤرخ أيضاً.
وحتى نقف على دور (العميد) في نهضة مصر المعاصرة نستشهد بما جاء في شهادة لأستاذ التاريخ المعاصر في الجامعة المصرية عبد المنعم تليمة – في ندوة ثقافية بعنوان (طه حسين ومستقبل الثقافة في مصر) عقدت في القاهرة منذ أيام – يقول تليمة: (إن المصريين كافة بمختلف اتجاهاتهم وأطيافهم وألوانهم الفكرية والسياسية اجتمعوا على أربع غايات تميز النهضة المصرية هي: تحرير الوطن، وتحديث المجتمع، وتحرير الفكر، وتوحيد الأمة، وهذه جميعها نلمسها في تراث طه حسين، الذي كان يعي جيداً أن مستقبل التعليم في مصر هو مستقبلها، فأنشأ جامعات: أسيوط وعين شمس والإسكندرية، وهو صاحب شعار (يجب أن يكون التعليم كالماء والهواء)).
(العميد) بقلم زوجته ..
واستذكاراً لدور (العميد الضرير) في حركة التنوير والثقافة العربية المعاصرة، أعادت دار (سيرف) الفرنسية مؤخراً نشر كتاب زوجة العميد (سوزان بريسّو) الموسوم ب (معك)، الذي تروي فيه حياتها وذكرياتها مع طه حسين من (1915 إلى 1973) مانحة الجمهور فرصة إلقاء نظرة جديدة على مضمونه المثير. والمطلع على كتاب (سوزان) تستوقفه في الصفحات الأولى قولها – مخاطبة القارئ: (أكتب لأتقدم نحوك، وأستمرّ في كتابة كل ما يعبر قلبي). وفعلا يُشكّل كتابها صرخة حب إلى ذلك الذي كانت تسمّيه (صديقي) بالمعنى الذي تمنحه لهذه الكلمة، أي (الصديق الوحيد).
وفي الكتاب تتناول (سوزان) إعاقة زوجها لما احتلته من مكانة مركزية في حياتهما، لمقاربة صعوبات عيشها هذه الإعاقة وقلقها الثابت على زوجها، وهلعها حين تضطر إلى التغيّب عن المنزل فترة من الزمن. ويكتب طه لها: (بدونك أشعر فعلاً بأني ضرير، لأني معك قادرٌ على استشعار كل شيء وعلى الاختلاط بالأشياء التي تحيط بي).
ولا تُهمل سوزان في كتابها أسفارها مع زوجها إلى الكثير من بلدان العالم، وحبهما الكبير للموسيقا الكلاسيكية وطبيعة علاقاتهما بشخصيات مهمة كثيرة، كأبرز أدباء وفناني ومفكري عصرهما في مصر والعالم العربي، وعمالقة بحجم (لوي ماسينيون وهنري ميشو وأندريه جيد وجان كوكتو وأندريه لوت وليوبولد سنغور وطاغور).
(معك) كتاب هو يمثل الشهادة الحميمة حول علاقة رجل شرقي وامرأة غربية كان يمكن لأشياء كثيرة أن تفرّق بينهما، كالثقافة والدين والهوية، إلى جانب إعاقة طه حسين. ومع ذلك التقيا وتحابا وتزوجا وعاشا متآلفين. والحقيقة أن متعة قراءة هذا النص لا تعود فقط إلى مضمونه الغني، بل أيضاً إلى أسلوبه الأدبي الجميل الذي يعكس ولع (سوزان) باللغة وهاجس الدقة في اختيار عباراتها وحسّها الشعري الأكيد الذي تتجلى شراراته في أماكن مختلفة من النص.
ولنا أن لا ننسى ما كتبه (العميد) عن زوجته ورفيقة دربه منذ لقاءاتهما الأولى في مدينة (مونبوليي) الفرنسية عام ،1915 يقول: (صديقتي كانت معلّمتي. بفضلها تعلّمتُ اللغة الفرنسية وتعمّقت بالأدب الفرنسي. وبفضلها أيضاً تعلّمتُ اللاتينية وحصّلتُ إجازتي في الآداب، وبفضلها أخيراً تعلّمتُ اليونانية وتمكّنتُ من قراءة أفلاطون بلغته).