مُستقبلنا رغبة أم رهبة؟
أبواب التخرج هناك.. على بُعد خطوات عدة تلوح لي، وما زلتُ حتى الآن أغوص في دوامة نقاش مع المحيط: هل علاماتك هي من حددت فرعك؟ لِماذا لم تدخلي فرعاً آخر؟ وليس أمامي إلاّ صراعُ حديث طويل أشرح فيه أن رغبتي ساقتني إلى هنا ولم أتأثر بأي شيء آخر. فمجموع درجاتي في شهادة الثانوية العامة لم يكن حلقة تكتم أنفاسي، أما الحقوق أو معلم الصف أو غيرهما فلم يدغدغوا أطراف أحلامي، وطبعاً تبقى نظرتهم غير الموافقة لكلامي، بل وتُكذب اندفاعي، فمن فتحت له الكليات الأعلى من ناحية الدرجات العلمية لن يختار الأقل، ليس من باب الاستخفاف بدراسة اللغة العربية بل لأن غيرها أفضل!
قانونهم هذا كم أكرهه ولا يعني لي شيئاً على الإطلاق.
كم حُطِّمَ من طموح واسودّت الدنيا بأعين شباب، والتقييم المعنوي والمجتمعي يقوم على الفرع الجامعي. والمشكلة لا تكمن في أن المجتمع ما زال بأفكاره يحاول السيطرة على زمام حياتنا من كل النواحي، بل الكارثة الأعظم هم الأهل حين يتحولون لسوط من نار يبدأ بجلد الرغبات في أول لحظة لنا، فمع ولادة الطفل/ة يصبح الدكتور/ة، ومع كل خطوة دراسية تزداد مخاوف الأهل على هذه الأمنيات المستقبلية، ويتحول خوفهم إلى كابوس يلاحق هذا الشاب، والبعض من الطلاب تكاد تفنى عيونهم في الدراسة، ليس لأجل حلم أتقنوا رسمه، بل لصالح رغبة والده بكرسي في أحد الاختصاصات لم ينله هو، وما من سبيل إلاّ ابنه لينال هذا مُحققاً حلمه.. وهذا عين الصواب لدى الأهل، فهم يسكبون خبرة عمر بين كفّي ولدهم، ويشعلون الشموع في المكان والزمان المناسبين في طريقه، دون أي اهتمام بحالة الشاب أو رأيه!
من الممكن أن يكون فعلهم صحيحاً، ولكن ليس في كل مجالات حياة ولدهم!
وإن سألنا هذا الطالب الذي اختار تتمة مشوار عمره على أساس يرضي أهله ونظرة المجتمع:
_ هل أنت سعيد بالدرب الذي ستخوضها؟
فإنه يجيب ببرودة شغفه المقتول:
+السعادة ستكون بمالي الذي سأجني ومركزي وقيمتي الاجتماعية.
_ لكن ماذا عن أصابع شغفها لمس الأوتار؟!
+ الأوتار لن تجني لي هيبة!
هذا الحوار يصيب أملي بالموت، لعلّها ليست أفكار الغالبية، ولكنها شريحة موجودة في مجتمعنا. لكن في المقابل هناك شبان تمسكوا بطرف الحلم وأبحروا فكان جناحهم من رغبة لا رهبة.
الفرضيات في مثل هذه الحالة عديدة، فكل عائلة لديها قناعات وفرضيات تعدها الأمثل والأنسب، وخصوصاً في تحديد الاختصاص الجامعي، باعتباره القالب الذي سيحدد مكاننا وحجمنا في المجتمع وبين الناس.
وبرأيي غالباً الطرق الوسطى قد تكون الأحسن، رغبة الشاب ترعاها توجيهات الأهل ونصحهم لما هو أفضل، وليس فرض طرف لرأيه على الآخر.