عن الصيف والكيف

بينما أجلس في شرفة منزلي مستمتعة بالنورين: نور القمر ونور الكهرباء، إذ دخل زوجي فتلاشى مع دخوله أحد النورين، وطبعاً ليس نور القمر، إذ أنه لم يخضع للتقنين بعد، قلت له: شكراً على شعورك الرومانسي، أعرف أنك أطفأت الكهرباء، لتنعم معي بهذا الجو الشاعري… فقاطعني فوراً: لست أنا الرومانسي، بل هي وزارة الكهرباء، إذ قطعت التيار ربما لأنها رأت أن ضوء القمر يكفينا، فهي فرصة للإقلال من الهدر! المهم جلسنا بعد أن صرنا رومانسيين بقرار حكومي، ولكي يكتمل الجو، زارنا الضيف اليومي: البرغش وتوابعه، وبدأ حفلته المسلية، ولأن كل الاختراعات المقاومة له تعتمد على الكهرباء، باستثناء ما كان يستخدمه أجدادنا في الضيعة (ولا أستطيع ذكره لكم لأنه اختراع غير رومانسي) لذا لجأنا إلى وسائل العنف معه، وبدأ الضرب والصفع، ولكن اكتشفنا أن الأمر مع البرغش يحتاج إلى مهارة عالية، فهو يتمتع بقدرات قتالية متميزة ويعرف كيف يناور الخصم، ليس مثل الذباب الذي يتعاملون معه بأداة بسيطة، والتي في الحقيقة وجدت ليتسلى بها من ليس لديه عمل، خصوصاً أن الذباب قد تناقصت أعداده كثيراً خلال السنوات الماضية، حتى شككت بأنه في طريق الانقراض، على العكس من البرغش الذي يزيد استشراساً وتطويراً لأساليبه الدفاعية، مع ملاحظة أن الذباب بدأ يعود مؤخراً بقوة ويثبت نفسه على الساحة، والبعض يرجع ذلك إلى أسباب ميدانية! بينما من جهتي أتوقع أن السبب يعود إلى انتشار الموبايل، الأمر الذي شغل العاطلين والعاطلات عن مهمتهم الأساسية في قنص الذباب، أما البرغش فما زال يعيش بكل حرية ولا يبالي بذاك الدخان الذي تطلقه سيارة المحافظة كل سنة مرة لكي لا يقال أنها نسيته بالمرة… والآن علينا نحن بالمقابل أن نطور أساليبنا الغير كهربائية، مادامت الكهرباء لم تتحسن، مع أنهم وعدونا أن الكهرباء ستتحسن ابتداء من يوم الخميس ولكن لم يحددوا أي خميس، ربما أحد خميسات سنة 2050! بل حتى أني لا أحبذ بعض تلك الوسائل لأنها تعتمد خدعاً دنيئة، وخصوصاً جهاز (الصاعق ) إذ يشعرك بتعذيب الضمير مع كل ( طقة ) صادرة عنه منبئة بسقوط ضحية بريئة لا ذنب لها إلا أنها ركضت وراء الأنوار… كما أن إحدى صديقاتي الخياليات قد حدثتني مرة عن اختراع غريب يتمثل بنشر رائحة تجذب إناث البرغش إليها، وما إن تتجه البرغشة الحالمة نحوه حتى يتبعها ذكور البرغش دون تفكير، عندها يلقى الإثنان حتفهما معاً مثل روميو وجولييت! ولكني في الحقيقة استنكرت هذه الوسيلة تماماً لأنها تسيء إلى سمعة الإناث، إذ سيقال مستقبلاً أن انقراض هذا النوع من المخلوقات عائد إلى رعونة النساء… ومن ناحية أخرى أعتقد أن هذا الاختراع غير موجود إلا في عقل صديقتي، فمن الذي سيخطر على باله شيء مقيت كهذا؟ أما الأساليب البدائية للتخلص منها فهو ما كنا نفعله صغاراً، إذ كانت لنا ليال تشبه هذه الليالي، باعتبارنا من جيل الشموع ومصابيح الكاز، وكثيراً ما نشعر بالملل، عندها نتسلى بإزعاج البرغش كما يتسلى هو بإزعاجنا، إذ نعمد إلى مراقبة إحداها حتى تقف على الجدار، نقترب منها ونصرخ بها صرخة رجل واحد، ويا للهول! إنها تسقط عن الجدار مغمى عليها من هول الصوت، ونحن ننال توبيخ الأهل لأننا أرعبناهم…، ولكن دون أن أجرب، أعرف أن هذه الوسيلة لن تنجح، ذلك أن الضجيج الذي نعاني منه هده الأيام أعطى مناعة للبرغش، حيث أن في بيتي نوافذ شمالية وجنوبية، إذا فتحت الشمالية فإني مضطرة لسماع أصوات الطرب الآتية من أماكن السهر التي  (ياللعجب) ما زالت تجد زبائن باحثين عن الفرفشة، وبما أني لا أملك هذا الإحساس الفني، أغلق الشمالية، وأقرر فتح الجنوبية، فتأتيني أصوات الجيران الساهرين داخل بيوتهم الخانقة، زعيق نساء ورجال وبكاء أطفال و مسلسلات لا تخلو من عنف، وخطب لشيوخ منفعلين زيادة عن اللزوم… عندئذ أغلق الشمالية والجنوبية مفضلة الحر على الضوضاء، أما البرغش فحين يبدأ إزعاجه ولا نجد سبيلاً للتخلص منه، فنتصرف كما يتصرف أي مواطن عاقل لا يحب المشاكل، إذ نقول له: الله يسامحك…

العدد 1195 - 23/04/2026