ليست وحدها من يتحمَّل المسؤولية

يمرُّ الإنسان بمراحل مختلفة من حياته لكلِّ منها خصوصيتها ومتطلباتها، وقد وجِدت مرحلة الخطوبة كإحدى تلك المراحل لتُبنى على عدَّة أساساتٍ بين الشَّريكين بهدف إكمال الحياة المشتركة معاً بمشروعٍ يُعدُّ من أهم الخطوات المفصلية في حياة كلٍّ منهما، إلاّ أن أهم ميزات هذه المرحلة هي أنها وجدت ليتأكَّد الاثنان معاً وكل واحدٍ على حدة من قراره ومن قدرته على تحمُّل المسؤوليات القادمة، فالحياة المشتركة تختلف جذرياً عن الحياة ما قبل الارتباط.

ومن اسم هذه المرحلة تتأتَّى أهميتها، فلربما توضَّحت بعض النقاط الهامَّة في شخصية كل من الشَّريكين للآخر وتبيَّن أنه/ا غير قادرٍ/ةٍ على التَّوافق معها، وبالتالي من البديهي أن يكون فسخ الخطوبة هو الحل.. وهنا تبدأ مرحلة جديدة من الانتقادات الاجتماعية وكأن ما حصل من أكبر العيوب، وللأسف فإن تلك الملاحظات والانتقادات تُلقى بالدَّرجة الأولى على كاهل الفتاة، واعتبارها السَّبب الوحيد لفشل ذاك المشروع دون النَّظر في تفاصيل العلاقة وخصوصيتها، مع الابتعاد عن تحميل الشَّاب بعضاً ممّا يجب أن يحمله من مسؤوليةٍ تجاه ما حدث، فمن الطَّبيعي أن يحمل كلا الطَّرفين نتائج العلاقة المشتركة وإن كان بنسب مختلفة، إلاّ أن مجتمعنا الذُّكوري والقائم على تقديم المبررات سلفاً للرَّجل يتوجَّه مباشرةً بالنَّقد الذَّريع واللَّوم إلى الفتاة أو المرأة، لأنه قد وضع مسبقاً عدَّة معايير اجتماعية تصبُّ لصالح الرَّجل، وتبتعد كل البعد عن إعطاء الجناح الآخر بعضاً من حقوقه في عيش حياته وإبداء الرَّأي فيها.

وما إن تُفسخ الخطوبة حتى تشعر الفتاة وأهلها بالخجل المجتمعي وكأنها قد ارتكبت أشنع الجرائم، ويبدأ تناقل الشَّائعات والأحاديث التي تؤثِّر سلبياً على الفتاة، ويزيد الأمر سوءاً حينما تُخطب الفتاة أكثر من مرة وتعيش قناعاتها بأن فشل أهم مشروع في خطواته الأولى أفضل من البناء على الخطأ، ومن ثم الوصول إلى النتيجة ذاتها بعد أن يكون قد فات الأوان.

لم يسعَ مجتمعنا برغبته وعن قناعةٍ كلِّيةٍ إلى تغيير نظرته تجاه المرأة على أنها الحامل الوحيد للمنظومة الأخلاقية المفروضة عليها فرضاً، إلاّ أن ما حدث في السَّنوات الأخيرة من خلخلةٍ لكلِّ المنظومات القيمية التي ترعرعنا عليها قد أصاب أيضاً تلك النِّقاط فيما يخص العلاقة بين الرَّجل والمرأة، فقد ازدادت حالات الانفصال سواء في مرحلة الخطوبة أو بعد الزَّواج، وهذه، من وجهة نظري، نقطة تحوُّل أساسية وهامَّة في نمطية تفكير مجتمعنا فُرضت عليه فرضاً، وزعزعت النَّمطية السَّابقة التي كانت سائدةً، فحينما تحوَّلت المرأة إلى شخصٍ قادرٍ على تحمُّل العديد من المسؤوليات والمهام في ظلّ غياب الرَّجل بإرادته أو بغير إرادته، لم تعد الأفكار القديمة مواكبةً لما يجري، وفقدَ الرَّجل شيئاً فشيئاً تلك المكانة التي كان يرأسها بغضِّ النَّظر عن شخصيته أو إمكانياته، كما أنه بات فاقداً للكثير من الحقوق التي منحه إياها المجتمع، وتبدَّلت نظرة المرأة إلى ذاتها، فلم تعد تقبل بوضعية أنها الضِّلع القاصر الذي لا حول ولا قوة له إلاّ بوجود الرَّجل على تنوُّع صفاته وقرابته بها، وهذا هو أهم أسباب تخلخل مؤسَّسة الارتباط بشكليها: الخطوبة، والزَّواج.

ألم نعترف بأن مرحلةً مثل الخطوبة هي لتبيان ما إن كان المسير اللاحق قابلاً للإمكان أم لا، وأن من حقِّ الشَّريكين، معاً أو منفردَين، إبداء الرَّأي ثم اتخاذ القرار المناسب له؟!

آن الأوان لنرى المرأة كائناً كامل الأهلية قادراً على تحمُّل مسؤولياته، وكفانا إلقاء التُّهم واللَّوم عليها وتبرئة الآخر. فالمرأة (بتعدُّد صفاتها أمّاً أو أختاً أو…) التي تمكنت من تحمُّل أعباء لم تكن معتادةً عليها، وأبرزت جدارةً في خوض غمار الحياة القاسية، بات من حقِّها أن تعطي رأيها فيما يخص حياتها الخاصَّة فتقبل أو لا بشريكها، وتتخذ القرار المصيري في الاستمرار بعلاقة أو لا… علينا التَّوقُّف عن الزَّج بها في غياهب الملامات والانتقادات ونحن على غير علمٍ بما أوصلها إلى اتخاذ مثل هذا القرار، وحتى لو لم تكن هي من رغب في الوصول إلى النِّهاية، لماذا نحمِّلها وحدها وزر ما حدث؟!

العدد 1195 - 23/04/2026