جبهة الثقافة؟!..

ثمة إجماع بين أوساط المثقفين السوريين على اختلاف مشاربهم وتنوع آرائهم وتباين مواقفهم على تدني مستوى الصفحات الثقافية في الدوريات المحلية، ويرجعون أسباب ذلك إلى عوامل مختلفة، لعل من أهمها:

1 الوضع العام السائد في البلاد التي تخوض حرباً طاحنة من أجل المحافظة على وحدة الوطن وصيانة الدولة بكل مكوناتها، ومواجهة التطرف والظلامية والأصولية بتجلياتها وأشكالها الظاهرة والمستترة، وبما تتركه من آثار على المجتمع وحوامله الثقافية.

2 يعزو بعضهم أسباب التراجع إلى عوامل شخصية ذات طابع فردي، يتعلق بالشللية والذهنيات السائدة والمتحكمة بطرق العمل وآليات التفكير وأشكال الإدارة التي يمارسها بعض المشرفين على الصفحات الثقافية، إضافة إلى مزاجيتهم وتمترسهم خلف آرائهم، مما يسم إلى حد كبير صفحاتهم الثقافية بالأحادية.

3 يذهب آخرون إلى إسناد التراجع لضيق هامش الحرية المتوفرة لإبداء الرأي، وعدم تشريع أبواب الحوار، والاجتهاد، وتقديم الآراء البناءة، المستندة إلى أحدث منجزات العلم، وما حققته ثورة المعلومات في العالم.

مناقشة هذه الآراء والمواقف على ما فيها من قيمة وأهمية وجدية، وحرص على الثقافة، تحتاج إلى فضاءات أوسع، ومساحة أغنى، من قبل العاملين في الحق الثقافي والإعلامي والتربوي، للعمل على تأسيس مشروع ثقافي وطني يتناسب مع خطورة المرحلة التي تمر بها سورية.

الصفحة الثقافية في جريدة (النور) ليست بعيدة عما يدور الحديث حوله، فهي خاضعة في المعيار النهائي لمخرجات الحالة العامة السائدة في الوطن، من تقطع أسباب الاتصال وضعف التواصل، وعزوف الكثير من الأسماء المعروفة عن الكتابة، وهم يقدمون أسباباً ويتذرعون بعوائق مختلفة قد لا تكون على درجة كافية من الإقناع.

لسنا بصدد مناقشة غياب الأسماء المعروفة في الوطن عن الصفحات الثقافية، فلهم أعذارهم… لكن المشكلة في تصدّر مقالات لا ترقى إلى المستوى المطلوب، في مرحلة من أكثر اللحظات خطورة في تاريخنا، فالمعركة الحالية في سورية وحولها، ليست مواجهة سلاح وإرهاب فقط، إنها معركة فكر وثقافة، ولمجابهتها لا بد من تضافر جميع الأقلام الوطنية، دون النظر إلى النواقص هنا أو هناك، في هذه الصفحة الثقافية أو في تلك الصحيفة، فالواجب الوطني يستدعي من جميع العاملين في الحقل الثقافي أن يتجاوزوا ولو إلى حين، أنواتهم، وأمزجتهم الشخصية أمام قضية فيها من الخطورة على الوطن وعلينا جميعاً ما قد نندم عليه في المستقبل، إذا ما قيّض لحملة الفكر الإقصائي والغيبي والظلامي الهيمنة والسيطرة على حقل من أخطر مجالات المواجهة، هو خندق الثقافة الوطنية.

لكل ذلك، تهيب صحيفة (النور) وتناشد كل أصحاب الأصوات الوطنية من حملة الأقلام الصادقة، والرؤى المستقبلية، وسدنة الثقافة الوطنية للمساهمة في إغناء صفحتها الثقافية، التي تفتح صدرها للتنوع والاختلاف، وترحب بالتميز والتفرد وتقدر الاجتهاد، ولا تضع قيوداً على الكتابة إلا مراعاة المصلحة الوطنية العليا المتمثلة اليوم بوضوح في إحياء ثقافة وطنية تواجه دون تردد كل مظاهر الانغلاق والعزلة ومحاولات الاستئثار والإقصاء، فالثقافة الوطنية اليوم لا يمكن لها أن تقوم إلا على أساس المشترك الوطني الذي لا يلغي ولا يصادر، وإنما يشجع كل ما هو مثمر وإيجابي، وبنّاء، ويساعد القراء على تنمية ما فيهم من قيم الوطنية وحب الخير وتذوق الجمال، مما يرسخ فيهم التآزر والتعاضد ويقوي روابط العيش المشترك، ويعزز التآخي بينهم، ويساهم في بناء إنسان يطمح إلى العيش في وطن سيد موحّد حّر تعددي ديمقراطي.

العدد 1194 - 15/04/2026