أجناس إبداعية خاوية من السخرية..!

ثمة ظاهرة، ليست سورية وحسب، وقد كنا نخالها كذلك، بل تكاد تكون عربية بامتياز، وهي خلو الساحة الأدبية، حتى في مجال الفنون البصرية على أنواعها وتنوعها، من السخرية الحقيقية، يُعادل ذلك على مستوى التلقي، أنه لم يعد ثمة متلقٍّ لديه القابلية لأن يتقبل السخرية، أو أنه لا يريد أن يضحك، بل لا يريد حتى أن يبتسم، وكأن سهام التجهم قد أصابت الجميع، ولم يسلم منها أحد، حتى إنهم في مصر، بعد وفاة (الولد الشقي) – كما كانوا يلقبون الكاتب محمود السعدني، ينظرون إلى ساحة السخرية التي طالما تميزت بها مصر، على أنها قد حُسمت لصالح الكوميديا السوداء، في (القارئ الذي كان يستغرق في الضحك، يشعر اليوم بالانقباض بعد قراءة كتّاب اليوم الذين تقطر المرارة من أقلامهم وينتهجون نهج الكوميديا السوداء). شيء ما يشبه الكربلائية العامة، انتفت خلالها حتى البسمة.

ترمومتر لقياس المزاج

هل يأتي الأمر لأن الأدب والفنون هي المعادل لما هو واقع في الحياة، وهي الترمومتر لقياس مزاج الحالة الإنسانية التي يعيشها (المواطن) في العالم العربي، أم ثمة إفلاس في هذا الشكل الإبداعي، لاسيما بعد (تقاعد) من بدؤوا أشكال التعبير هذه، أو بعد وفاتهم، ومن ثم حُكم على من جاء بعدهم، إما بتقليدهم تقليداً سيئاً، أو الذهاب بالسخرية في اتجاهات أخرى أبعدتها عن السخرية مئات الكيلو مترات، وإن لم يكن كل من سمّى نفسه فيما مضى كاتباً ساخراً كان كذلك، حتى لا نقع بالحنين إلى الوهم، كما يقع البعض في هذا المرض المزمن، حين يطلقون على كل ماهو قديم: (الزمن الجميل) مع أنه قد يكون في منتهى القبح، أو لأنه جاء إلى الساحة على فراغ، ولم يكن (في الميدان غير حديدان)، ومن ثم كان ما أجمل (عطساته) إن عطس، فكيف إن كتب أو مثّل؟ أو هناك كتّاب كثر، لكن لم ينتبه إليهم أحد، وهم كذلك استطاعوا العيش في الظل؟!

 فالكثيرون اليوم يرون أنه لم يظهر في سورية كاتب ساخر بحجم حسيب كيالي، على سبيل المثال، وفي مصر هل ثمة من قارب عبد القادر المازني؟ هذا في الأدب، وتحديداً في القصة القصيرة، التي يبدو أنها حملت عن الشعر عبء الهجاء بوصفه أحد أغراضه المنقرضة. صحيح أن الكثير من الكتّاب الشباب كان لدى العديد منهم بعض (الإلتماعات) في الكتابة الساخرة، غير أن من صفاتها أنها كانت غير مستديمة، وكانت أحياناً كبيضة الديك، ومن ثم كان هذا الوقوع الكبير في (التعجيق والاستظراف) واللعب بالألفاظ على أنها كتابة ساخرة، ناهيك بالعشرات الذين (يكرسون أو كرسوا أنفسهم) على أنهم كتّاب ساخرون دون وجه حق، حتى إن من لم ير فيهم هذا الأمر اعتُبر مارقاً، أو لأن الكوميديا والسخرية، والكاريكاتير، وهي فنون من نوع خاص، تحتاج إلى فضاءات واسعة من الحرية يضيق بها العالم العربي؟!

ساحة يابسة

أما في الدراما، والفنون البصرية بشكلٍ عام، فقد توفر الكثير من الفنانين الذين أثبتوا جدارة في الكوميديا، في بعض المشاهد الدرامية (تلفزيون، مسرح، وسينما) ربما تفوقوا بها على من سبقوهم، لاسيما لجهة الحرفية العالية التي قدموها، غير أنه لسببٍ أو لآخر لم يستمروا، ومن ثم كان هذا اليباس.؟! و.. من ثم كان أن حصلنا على (سخرية) ربما، لكنها بالتأكيد خالية من العمق، و..ربما كان هذا سبب (مقتلها) عند الكثيرين، وهو النظر إليها على أنها فن، أو إبداع سطحي.!

الأدب العربي عموماً، في مختلف فنونه، مطبوع بميله إلى الجدية والمأساوية و..التغني بالألم والتفجع على ما نحن عليه، من هنا فالسخرية تتطلب خروجاً مميزاً من نطاق الذات وأزماتها المختلفة إلى قدرٍ من البرود، والابتعاد عن الانفعال الحاد بالموضوع المعني بالسخرية مهما كان لصيقاً بالنفس، ومع ذلك كان لكل مرحلة زمانية معينة من عمر التاريخ مزاجها في الميل إلى السخرية وتقبّل الضحك، وذلك على طرفي (السخرية) أي صانعها، و..متلقيها. فيما مضى كانت جملة، يطلقها الفنان الراحل عبد اللطيف فتحي، من قبيل: (هرّو برّو ما فاتوها مية كيت كيت بط..) التي لا تعني شيئاً، كافية لأن تقلب المشاهدين والمتلقين للعرض المسرحي على قفاهم من شدة الضحك، وكانت عبارة الراحل محمود جبر، وهو يسأل شخصية أخرى معه على الخشبة: (حسن حسن شو بيقربك؟)، وذلك بعد أن عرف أن اسمه (محمد محمد) – كافية هي الأخرى لإخراج الدموع من عيون الناس المشاهدين والمتلقين من هستيريا الضحك التي كانت تنتابهم لسماع عبارات كهذه، إن كانوا مشاهدي تلفزيون، أم مشاهدي المسرح، باعتبار أن العرض المسرحي، كان غالباً ما يُنقل على شاشة التلفزيون.؟!

حتى من القصة!

اليوم، يبدو كأن المشاهد العربي، قد أصابته نوبة من التجهّم المزمن، عشرات النصوص المسرحية، وكأن الكوميديا انسلت منها، حتى إنها انسحبت من القصة القصيرة، وهي التي حملتها بعد أن تخلى الشعر والقصيدة عن (غرض) الهجاء، الذي كان أحد أغراضه، وشواغله في الزمن القديم، أيام البيت الموزون المقفى المغربل، وحتى الكاريكاتير، وكأنه فقد صلاحيته في الإدهاش هو الآخر.. السينما أيضاً ابتعدت عن الكوميديا، واتجهت صوب التسجيلية، وكذلك التراجيديا- ربما فقط في بعض ما يُقدمه المخرج عبد اللطيف عبد الحميد – وحدها الدراما التلفزيونية، حملت أو زعمت أنها ستحمل عبء تقديم هذا الفن الصعب، على الأقل اليوم، وقد أصبح المتلقي العربي (لا يضحك حتى لرغيف الخبز الساخن) كما يقولون.

فالمتتبع للكوميديا السورية – على سبيل المثال- يراها متجهمة، رغم وجود عشرات الفنانين الذين أثبتوا جدارة في (مخاتلة) الناس المتجهمين، واستطاعوا إضحاكهم، وخلق الموقف الكوميدي بفنية عالية، وهذا ما لمسناه في بعض العروض المسرحية، والمسلسلات التلفزيونية، التي لم تدّعِ أنها تقدم كوميديا، وإنما غالباً (ارتجالات) وقدرات خاصة بالممثل أو المخرج نفسه، ذلك أن مأساة الكوميديا، وحتى الدراما بشكلٍ عام، كانت طوال الوقت تكمن في نصوصها، فرغم تقديم الكثير من المسلسلات التي زعموا أنها كوميدية، هل علق بذهن الناس غير مسلسلات ثلاثة (يوميات مدير عام، ضيعة ضايعة، و..الخربة) مسلسلات أثبتت عن جدارة أنها كوميدية، مع أن صناع المسلسل الأول حاولوا التنويع عليه، والتفريخ منه في أكثر من مسلسل كـ (جميل وهناء) بأجزائه، وحتى بإضافة جزءٍ ثان عليه بعد مرور أكثر من عقد على الجزء الأول، ولكنهم لم يستطيعوا إدراك سر نجاح يوميات مدير عام – الجزء الأول، فذلك يعود كما أسلفنا إلى النص، لأنه رغم تمكن الفنان هشام شربتجي وحرفيته العالية التي لا أظن أن أحداً يشك بأمرها، وقدرة الممثلين معه كفارس الحلو مثلاً، لم يستطيعوا أن يحصلوا على الكوميديا المطلوبة في مسلسل كـ (عائلة خمس نجوم) بأجزائه..) و..غيره عشرات المسلسلات التي عجزت إلى حدٍّ كبير أن تُقارب الكوميديا، وفي الموسم الدرامي الطويل تتقهقر الكوميديا بنصوصها البائسة كـ (أبو جانتي ملك التكسي، وصبايا) فيما مسلسلاً ضيعة ضايعة، والخربة، فقد استطاعا أن يسدّا جزءاً من الفراغ الكبير في يباس الكوميديا..!

يباس الكوميديا

أعتقد أن هذا الفراغ في الكوميديا، يعود لأكثر من سبب، وهو – كما أسلفنا- فقد تغيّر متلقي اليوم عن متلقي الأمس بمسافات كبيرة، فما كان يُضحك متلقي أيام زمان من عبارات وحركات، قد ينظر إليها متلقي اليوم بسخافة أو على أنها نوع من الهراء، والقليل على ما يبدو تفهّم هذا التغيير، فوقع في (التعجيق) وهذا لا ينطبق على الدراما وحسب، بل على الأدب أيضاً، وإلا كيف غابت اليوم القصة الساخرة الحقيقية؟!

وهناك النظرة الدونية إلى مسلسلات الكوميديا، وإبعاد الممثلين الذين أثبتوا قدرات عالية في هذا المجال لصالح (الشلل) والمصالح الشخصية، الأمر الذي أوقع الدراما على تنوعها في السطحية والخراب.!

وربما أيضاً لأن الكوميديا تتطلب شيئاً من لغة الشارع، وتسمية الأشياء بأسمائها بصراحة، أي شيئاً من الشتم وغيره من الألفاظ التي تُتهم بخدشها للحياء العام، الأمر الذي يعرّضها للقص والحذف، وقلة التسويق، وهنا الخطورة الأكبر، فكان أن ابتعد عنها صناع الدراما تجنباً لوجع الرأس والخسارة.!

والبعض من الممثلين وحتى المخرجين، يبدو أن الكوميديا (ما وفّت معهم) على الأقل مادياً، فكان أن هجروها. وتبقى مسألة النصوص، أهم خطر يُحيق بهذه الدراما، التي هي في أغلب نصوصها (تلفيق وتوليف) على مبدأ (الإماتة والإحياء) في الشخصيات والأحداث حسب العلاقة مع المخرج، كما جرى في المسلسل (الفلتة) باب الحارة!

العدد 1194 - 15/04/2026