بعض وثائق العدوان على سورية
من يستعرض سجلّ التآمر الاستعماري في المنطقة يستنتج أن سورية كانت أكثر الدول استهدافاً، وأن حجم العمليات وآلياتها وتكتيكاتها كانت تتفاقم باضطراد مع صعود القوى التقدمية الماركسية والقومية، ومع تكريس الاحتلال الصهيوني لفلسطين ووقوف هذه القوى كحجر عثرة أمام تحقيق الغرب الاستعماري لمصالحه ومشاريعه.
ومن اللافت في هذا الإطار أن مشروع تقسيم المنطقة الذي تبذل جهود حثيثة وتصرف مليارات الدولارات الخليجية اليوم ويضحّى بمئات آلاف من البشر وتدمّر مدنٌ وقرى ويهجّر الملايين من أجل فرضه بالقوة_ يعود بجذوره النظرية الى وقت مبكر من قيام دولة الاحتلال، فقد نشر الكاتب الهندي كاراينغا عام 1957 كتاب (خنجر اسرائيل)، وفيه وردت أول وثيقة سرية اسرائيلية منسوبة لهيئة الأركان تشير الى خطة لتقسيم المنطقة بهدف إقامة إسرائيل الكبرى، ويفترض تقسيم سورية الى ثلاث دويلات طائفية: سنّيّة وعلويّة ودرزيّة.
وكانت ذراع إسرائيل الأمنية قد امتدت الى الداخل السوري بداية أيام الوحدة السورية المصرية حيث لعب حسن التهامي المصري من أصل يهودي مغربي الدور الأبرز في التحريض على القوى الوطنية التقدمية في سورية، وخاصة الحزب الشيوعي السوري بصفته رأس حربة المواجهة ضد الاستعمار ومؤامراته، حسب وصف ضابط المخابرات السورية سامي جمعة الذي أشرف بنفسه على عمليات اعتقال أعضاء الحزب وتصفيتهم، ومع أن الرئيس جمال عبد الناصر أبعد حسن التهامي بعد ورود تقارير عن علاقته الأمنية مع السفارة الأمريكية في سويسرا وكذلك مع ضباط الموساد المتخفّين بزيّ رجال الأعمال، لكن الرئيس السادات عيّنه في منصب نائب رئيس الوزراء المصري في عهده، فهو الذي جنّده لصالح المخابرات الأمريكية ورتّب زيارته للقدس المحتلة مع مستشاري مناحيم بيغن، حسب المعلومات الواردة في صحيفتي نيويورك تايمز وواشنطن بوست، ولدى حسين الشافعي نائب الرئيس جمال عبد الناصر، فعلى أثر تلك الزيارة التي قلبت الموازين في المنطقة برمّتها شهدت سورية ابتداء من عام 1979 أشرس الهجمات الارهابية التي شنّتها الطليعة المقاتلة لجماعة الاخوان المسلمين المرتبطة أمنياً بعدّة مخابرات دولية وإقليمية كما يعتبر الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982 إحدى النتائج الكارثية للزيارة المشؤومة.
في عام 1969 قام ثلاثة من المسؤولين الأمريكيين اليمينيين المتطرفين المساندين لإسرائيل هم ديفيد وارمسر، وريتشارد بيرل، ودوغلاس فيث، بإعداد تقرير سرّي تمحور حول هدفين أساسيين من أجل مصلحة إسرائيل وهما تفكيك العراق وتصفية النظام السوري، وقد وردت هذه المعلومات في كتاب (عالم جورج بوش السرّي) للصحفي الفرنسي أريك لوران.
في عام 1980 تساءل مستشار الأمن القومي الأمريكي بريجنسكي عن الكيفية التي يمكن أن تنشط حرب خليجية ثانية بحيث تستطيع أمريكا من خلالها تصحيح حدود سايكس بيكو ؟ وفي العام نفسه كلفت وزارة الدفاع الأمريكية الأستاذ الفخري في جامعة برينستون، المتخصص في التاريخ الإسلامي برنارد لويس (يهودي، مواليد لندن ،1916 خدم في هيئة الاستخبارات البريطانية وأصبح مستشاراً لإدارتَي بوش الأب والابن ولِـ ديك تشيني وزير الدفاع لشؤون الشرق الأوسط، وتعتبره صحيفة وول ستريت جورنال المنظّر الأساسي لسياسة التدخل والهيمنة الأمريكية في المنطقة)، بوضع مشروع لتفكيك الوحدة الدستورية لمجموعة الدول العربية إلى أقاليم متمايزة عرقياً وطائفياً ومذهبياً، بينها سورية حيث يفترض تقسيمها إلى دويلة علوية في الساحل، ودويلتين سنّيتين في حلب وحول دمشق، ودويلة درزية في الجولان. وقد وافق الكونغرس الأمريكي في جلسة سرّية عام 1983 على المشروع وأصبح معتمداً في السياسة الاستراتيجية الأمريكية.
عام 1982 ظهرت مجدداً وثائق متعلقة بتقسيم سورية إلى دويلات سنية وشيعية وكردية، في دراسة كتبها (عديد فرنون) ونشرتها مجلة المنظمة الصهيونية العالمية في عدد شباط من العام المذكور.
عام 1996 كتب المحافظون الأمريكيون الجدد ريتشارد بيرل ودوغلاس فيث عدّة توصيات إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأن الأمريكيين سيتعاطفون مع عدوان تشنّه إسرائيل على حزب الله وسورية وإيران، مع ضرورة احتواء سورية وجذب الأنظار الى برنامجها لأسلحة الدمار الشامل، ومع ضرب أهداف لها في كل من لبنان وسورية، ومع استخدام مليشيات مؤيدة لإسرائيل لشن هجمات داخل أراضيها (راجع المقبوس رقم 33 في كتاب واشنطن والعالم).
ولم يطُل الوقت ففي عام 1999 أسّس الأردني أبو مصعب الزرقاوي، برعاية مخابراتية أمريكية سعودية اعترفت بها هيلاري كلينتون في كتابها (خيارات صعبة)، تنظيم جماعة التوحيد والجهاد الذي بايع تنظيم القاعدة، وتحول اسمه الى (الدولة الإسلامية في العراق والشام – داعش) وقالت كلينتون في كتابها إن الادارة الأمريكية أسست داعش لتقسيم منطقة الشرق الأوسط، وقد انخرط هذا التنظيم بنشاط كبير وقسوة بالغة فيما بعد بالعمليات العسكرية في سورية، ونفذت كل التوصيات الواردة الأخرى في المقبوس بالفعل تباعاً.
عام 2002 أعاد فولفو ويتس وريتشارد بيرل طرح مشروع الشرق الأوسط الجديد – برنارد لويس – على جورج بوش الابن الذي أعلن تبني إدارته للمشروع عام 2003 أمام المجلس الوطني للتنمية الديمقراطية، وأنه نال موافقة مجموعة الثماني على المبادرة الأمريكية وجرى تخصيص مبلغ 40 مليون دولار مبدئياً لدعم جمعيات مقربة من أمريكا في المنطقة (راجع شبكة فولتير). وبُدئ بنشر منظمات المجتمع المدني التي تدرّب أعضاءها على وسائل تكريس القيم الأمريكية وتسويق السياسات والمشاريع الأمريكية. وفي العام نفسه أكد الوزير الاسرائيلي السابق آفي دختر أن لعبة الأقاليم (خطة تقسيم المنطقة) لعبة إسرائيلية قبل أن تكون أي شيء آخر.
عام 2005 أعاد الملياردير اليهودي بيتر أكيرمان نشاط مؤسسة فريدم هاوس، ومن الأعمال التي قامت بها تمويل المعارضة السورية وقد دفعت 6 مليارات دولار لحركة العدالة والبناء الإسلامية السورية (مقرّها لندن)، لإدارة فضائية (بردى) والقيام بأنشطة داخل سورية. وفي العام نفسه صدر كتاب فلاينيت ليفريت (اختبار بشار بالنار) الذي تضمن دراسة أعدها ريتشارد بيرل ودوغلاس فيث ودافيد ووسمر وبول فولفوييتز خاصة بالشرق الأوسط، تقوم على تغيير النظام العراقي بالقوة وإسقاط اتفاقيات أوسلو وضرب سورية وإضعافها، كما صرح في العام نفسه واضع مشروع التقسيم برنارد لويس أنه من الضروري إعادة تقسيم الأقطار العربية والإسلامية إلى وحدات عشائرية وطائفية، ومن الضروري استثمار تناقضات هذه الشعوب العرقية والقبلية والطائفية. وفي مقابلة مع صحيفة واشنطن بوست أعلنت كوندوليزا رايس نيّة الادارة الأمريكية تشكيل الشرق الأوسط الجديد، مستخدمة تعبير الفوضى الخلاقة كوسيلة.
عام 2007 كتب سيمون هيرش في صحيفة نيويورك تايمز تحت عنوان إعادة التوجيه، إن أعضاء من فريق سعد الحريري اجتمعوا مع ديك تشيني في واشنطن وأكدوا ضرورة استخدام الإخوان المسلمين في أي تحرك ضد النظام السوري، وإن هذا الفريق يموّل إلى جانب كل من واشنطن وتل أبيب والرياض الجماعة المذكورة في سورية، وفي العام نفسه ألقى غارد كوهين (المستشار السابق لكل من كوندوليزا رايس وهيلاري كلينتون وعضو مجموعة (أيسوج) المشتركة بين وكالات مسؤولة عن التخطيط والتنفيذ لأعمال سرية ضد أيران وسورية)، محاضرة حول الديمقراطية الرقمية تحدث فيها عن جاهزية الشباب في الشرق الأوسط للتأثير عبر محراث التكنولوجيا مثل الإنترنيت والهواتف المحمولة.
عام 2009 أقامت مؤسسة فريدم هاوس ورشات عمل لمجموعة مختارة من الناشطين السوريين – الأسماء محذوفة – حول ممارسة التعبئة المدنية، ويقول التقرير الذي نشرته صحيفة واشنطن بوست إن الجامعة الأمريكية في بيروت دعت شيوخ ست قبائل سورية لتدريبهم، كما أن شبكة إنترنيوز أقامت مخيمات لشبان جامعيين سوريين في دمشق وعمان للتدريب على استخدام الإنترنيت والقيام بما سمي التوعية السياسية في الشارع وقياس الرأي العام وتوجهاته (عن ويكيليكس).
في 15 شباط 2011 بدأت عمليات الاستخدام الفعلي للإنترنيت، وظهرت على موقع فيسبوك دعوات للسوريين للتظاهر ضد النظام، مترافقة مع تحضيرات للعمل العسكري ضد سورية، فحسب تأكيد البروفيسور ميشيل شودوفسكي (مدير أبحاث العولمة وأستاذ العلوم الاقتصادية في جامعة أوتاوا) فقد قام حلف الناتو والقيادة التركية بتجنيد الآلاف من المسلمين المرتزقة من بلدان الشرق وأوربا للقتال في سورية، كما أكد ارتباط هؤلاء بتنظيم القاعدة الذي صنعته الاستخبارات الأمريكية والبريطانية والإسرائيلية والسعودية. ويتطابق ذلك مع ما جاء في وثيقة من (إسرائيل ليكس) تحدثت عن وجود شبكة استخبارية إسرائيلية في تركيا يديرها الضابط موتي كوهان، ويعاونه كضابط ارتباط مع المعارضة السورية مدير مكتب نتنياهو، منذر الصفدي من مجدل شمس المحتلة، تمكنت من تطويع العملاء وترتيب صفقات السلاح وتأمين التمويل القطري السعودي لها.
في 18 آذار 2011 بدأ الغزو الخارجي من الداخل تحت عنوان ثورة الشعب السوري، وتحولت السفارة الأمريكية في دمشق إلى خلية مركزية لإدارة كل التنسيقيات (الثورية) وتوزيع المهام لها وتصميم شعاراتها وكل العمليات بما فيها أحداث العنف والقتل والحرق والتفجيرات وغيرها، وراحت وسائل دعايتها تعمّم صفة الشبّيحة على من لم تغب الحقائق الموثقة المنشورة هنا عن ذاكرتهم، فلم يسقطوا في فخّ البلاهة والهبل ولم تغسل أدمغتهم ولم يشاركوا أنياب الغرباء وهي تنهش كبد الوطن.