اقتصاد سورية الجديد.. من يملك فرصة الربح؟ ومن سيدفع الثمن؟

سليمان أمين:

يبدو أن سورية تقف اليوم أمام أكبر إعادة توزيع اقتصادية منذ عقود، قد يختصرها السؤال: هل ستذهب الثروة الجديدة إلى من ينتجها، أم إلى من يملك رأس المال؟

دخلت سورية مرحلة اقتصادية مختلفة جذرياً عن تلك التي عرفتها خلال العقود الماضية، فبعد سنوات من الحرب والعقوبات والاقتصاد شديد الانغلاق، بدأت البلاد تتحرك باتجاه اقتصاد أكثر انفتاحاً على التجارة والاستثمار والقطاع الخاص، بالتوازي مع عودة تدريجية إلى النظام المالي والتجاري الدولي. لكن التحول الاقتصادي لا يعني تلقائياً أن الجميع سيصبحون أكثر ثراءً. ففي كل انتقال اقتصادي كبير، هناك من يملك القدرة على التحرك بسرعة، ومن يحتاج إلى وقت للتكيف. هناك من يمتلك رأس المال والمعلومات والعلاقات، وهناك من لا يملك سوى أجره الشهري. وبين الطرفين يمكن أن تتشكل خريطة جديدة للثروة السورية. السؤال الحقيقي إذاً ليس فقط: هل سينمو الاقتصاد السوري؟ بل: من سيملك النمو؟

 

اقتصاد ينفتح بسرعة

المؤشرات الحالية تشير إلى تسارع واضح في النشاط الاقتصادي. صندوق النقد الدولي يتوقع نمواً سورية من رقمين خلال 2026، مع استمرار النمو القوي في 2027، مدفوعاً بتحسن الزراعة وإنتاج الطاقة والكهرباء والتجارة والخدمات، إضافة إلى عودة اللاجئين وزيادة عدد الزوار والإنفاق الحكومي. لكنه في الوقت نفسه يحذر من أن الفقر لا يزال واسعاً وأن التعافي غير متساوٍ بين المناطق. هذه الثنائية مهمة. فالنمو الاقتصادي قد يرتفع بينما يبقى توزيع عوائده شديد التفاوت. وفي سورية، حيث خرج الاقتصاد من سنوات طويلة من تدمير رأس المال والبنية التحتية، ستتدفق الأموال أولاً إلى القطاعات التي تستطيع تحقيق عائد سريع: التجارة، العقارات، الخدمات، الاتصالات، الطاقة، السياحة، اللوجستيات والبنية التحتية. وهنا تبدأ عملية إعادة توزيع الثروة.

 

المستثمر من أكبر الرابحين

مع انخفاض القيود الاقتصادية وتحسن البيئة الاستثمارية، سيكون رأس المال الخاص في موقع متقدم للاستفادة من المرحلة الجديدة. فالمستثمر الذي يمتلك رأس المال يستطيع شراء الأصول، تمويل المشاريع، الاستحواذ على الشركات المتعثرة، الاستثمار في العقارات أو الدخول في مشاريع البنية التحتية والخدمات. لكن هذا ليس بالضرورة أمراً سلبياً. الاقتصاد السوري يحتاج إلى رأس المال الخاص بشدة. فالبنك الدولي يقدر احتياجات إعادة الإعمار المادية بنحو 216 مليار دولار، أي ما يقارب عشرة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي السوري المتوقع لعام 2024. لا تستطيع الموازنة العامة السورية وحدها تمويل هذا الحجم من الاحتياجات. المشكلة إذاً ليست في دخول رأس المال الخاص. المشكلة هي شروط دخوله. فهل يدخل المستثمر لبناء مصنع جديد وتوظيف العمال وإنتاج سلع قابلة للتصدير؟

أم يدخل لشراء أرض أو عقار أو مؤسسة قائمة ثم إعادة بيعها بعد ارتفاع قيمتها؟ الفرق بين النموذجين هو الفرق بين استثمار منتج ومضاربة على إعادة الإعمار.

 

العقارات هي الثروة الصامتة

قد يكون القطاع العقاري أحد أكبر المستفيدين من المرحلة المقبلة. عودة السكان، وإعادة الإعمار، وارتفاع الطلب على السكن، وعودة الرساميل من الخارج، كلها عوامل يمكن أن ترفع قيمة الأراضي والعقارات. لكن ارتفاع الأسعار ليس دليلاً بحد ذاته على صحة الاقتصاد. إذا ارتفعت قيمة العقارات أسرع بكثير من دخول المواطنين، فقد تتحول إعادة الإعمار إلى عملية تجعل امتلاك المنزل أكثر صعوبة بالنسبة إلى الطبقة الوسطى والشرائح الأقل دخلاً. وهنا يظهر سؤال نادراً ما يُطرح: هل ستكون إعادة إعمار سورية مشروعاً لإعادة بناء المدن، أم مشروعاً لإعادة توزيع ملكية المدن؟

 

التجارة.. المستورد أمام فرصة تاريخية

فتح السوق سيخلق طبقة جديدة من المستفيدين: المستوردين وشركات التوزيع والخدمات اللوجستية. وهذا أمر طبيعي في اقتصاد ينفتح على العالم. لكن المشكلة تظهر عندما تنمو الواردات بسرعة أكبر من قدرة الاقتصاد على إنتاج السلع والخدمات القابلة للتصدير. فالمستورد يحقق أرباحه من تدفق السلع إلى الداخل، بينما تحتاج الدولة في المقابل إلى صادرات تجلب العملة الأجنبية وتخلق وظائف إنتاجية. وهذا هو أحد الاختبارات الكبرى للاقتصاد السوري الجديد: هل ستستخدم سورية الانفتاح لزيادة الإنتاج، أم لزيادة الاستهلاك؟

 

الصناعة هي الخاسر المحتمل

الصناعة السورية تدخل هذه المرحلة وهي في وضع ضعيف نسبياً. ارتفاع تكلفة الطاقة، ضعف التمويل، قدم التكنولوجيا، تضرر البنية التحتية، وتراجع القدرة التنافسية تجعل بعض المصانع غير قادرة على مواجهة المنافسة الخارجية. وقد وثقت تقارير حديثة حالات لمصانع أوقفت الإنتاج بعد دخول منتجات أجنبية أرخص إلى السوق، بينها مصنع للغزل في محيط دمشق أدى توقفه إلى فقدان 110 عمال لوظائفهم. هذه ليست حجة لإغلاق السوق أمام المنافسة. لكنها دليل على أن التحرير التجاري وحده لا يصنع اقتصاداً تنافسياً. إذا أُجبرت الصناعة على المنافسة قبل تأمين الكهرباء والتمويل والتكنولوجيا والنقل والبنية التحتية، فقد لا تكون النتيجة صناعة أكثر كفاءة، بل ببساطة صناعة أقل عدداً.

 

العامل..  هل يحصل على حصته؟

العامل هو الطرف الذي يملك أقل قدرة على التأثير في توزيع الثروة. فالمستثمر يستطيع نقل أمواله. والتاجر يستطيع تغيير نشاطه. والشركة تستطيع تعديل أسعارها. أما العامل فغالباً لا يملك سوى قوة عمله. لذلك فإن نجاح الاقتصاد السوري لا ينبغي أن يقاس فقط بحجم الاستثمار الأجنبي أو الناتج المحلي. يجب أن يقاس أيضاً بـ: كم وظيفة جديدة خُلقت؟ كم ارتفع الدخل الحقيقي؟ هل أصبح العمل الرسمي أكثر انتشاراً؟ هل ارتفعت إنتاجية العامل وأجره معاً؟ إذا ارتفع الناتج المحلي وبقيت الأجور الحقيقية ضعيفة، فإن الاقتصاد يكون قد نما، لكن المواطن لم يحصل بالضرورة على نصيبه من النمو.

 

المصارف قد تصبح لاعباً مركزياً

هناك تحول آخر أقل ظهوراً لكنه شديد الأهمية: إعادة بناء القطاع المالي.

البنك الدولي وافق في آب (أغسطس) 2026 على منحة بقيمة 100 مليون دولار لتحديث القطاع المالي السوري، تشمل أنظمة الدفع والبنية التحتية المالية وإعادة تأهيل المصارف وتعزيز الرقابة والشفافية والوصول إلى الخدمات المالية. ويهدف المشروع، من بين أمور أخرى، إلى تمكين مزيد من الأفراد والشركات من استخدام المدفوعات الرقمية وتوسيع الوصول إلى التمويل. إذا نجحت هذه العملية، فقد تكون واحدة من أهم التحولات الاقتصادية في سورية. فالاقتصاد الذي لا يمتلك نظاماً مصرفياً فعالاً يبقى اقتصاداً يعتمد على النقد ورأس المال الشخصي. أما الاقتصاد الذي يمتلك مصارف قادرة على تمويل الشركات والمشاريع، فيستطيع تحويل المدخرات إلى استثمارات. وهنا يمكن أن ينتقل مركز القوة ممّن يملك المال إلى من يستطيع الوصول إلى التمويل.

 

الدولة أمام الاختبار الأصعب

لا تستطيع الدولة السورية منع الرأسمال الخاص من تحقيق الأرباح، ولا ينبغي لها ذلك. لكنها تستطيع تحديد قواعد اللعبة. يمكنها أن تقول للمستثمر: نحن نرحب برأس مالك، لكننا نريد، في المقابل، وظائف جديدة، نقل تكنولوجيا، إنتاجاً محلياً، صادرات، شفافية، ضرائب عادلة، منافسة حقيقية. والأهم منع تحول الخصخصة إلى انتقال للاحتكار من الدولة إلى مجموعة خاصة. فالاقتصاد الحر لا يعني اقتصاداً بلا قواعد. فالسوق تحتاج إلى دولة قوية في القانون، لا دولة غائبة.

 

2027–2030: ثلاثة سيناريوهات

إذا نجحت الإصلاحات المالية والتجارية، واستقرت الطاقة، وتحسن التمويل المصرفي، وتوسعت الاستثمارات الإنتاجية، فقد تدخل سورية مرحلة من النمو يقودها القطاع الخاص والصادرات وإعادة الإعمار.

 

السيناريو 2: اقتصاد استهلاكي!

أما السيناريو الثاني فهو اقتصاد استهلاكي: استثمارات في العقارات والتجارة والخدمات، مع اعتماد كبير على الواردات وضعف نسبي في الصناعة والتصدير.

 

السيناريو الأخطر!

أمّا السيناريو الثالث فهو الأخطر: ارتفاع قيمة الأصول والعقارات، توسع الاحتكارات، ضعف الأجور، وتجمع الثروة في يد فئة محدودة.

الفارق بين هذه السيناريوهات لن تحدده السوق وحدها. بل ستحدده نوعية المؤسسات والقوانين والسياسات الاقتصادية. المعركة الحقيقية ليست بين الدولة والسوق، ربما يكون هذا هو الدرس الأهم من المرحلة السورية الجديدة. فالمعادلة ليست: الدولة ضد القطاع الخاص، وليست: السوق ضد الصناعة.

المعادلة الحقيقية هي: كيف نستخدم السوق لبناء اقتصاد منتج، وكيف تستخدم الدولة أدواتها لمنع تحول السوق إلى احتكار؟ سورية تحتاج إلى المستثمر، لكنها تحتاج أيضاً إلى العامل. تحتاج إلى المستورد، لكنها تحتاج أكثر إلى المنتج. تحتاج إلى رأس المال الأجنبي، لكنها تحتاج إلى رأس مال محلي أيضاً. تحتاج إلى الخصخصة في بعض القطاعات، لكنها تحتاج إلى مؤسسات عامة قادرة على تنظيم المنافسة وحماية المصلحة العامة. ولهذا فإن نجاح اقتصاد سورية الجديد لن يحدده عدد الشركات الأجنبية التي تدخل البلاد، ولا عدد العقارات التي ترتفع أسعارها، ولا حجم الأموال التي تصل إلى دمشق. سيحدده سؤال أبسط وأكثر صعوبة: هل يستطيع المواطن السوري العادي أن يصبح جزءاً من الثروة التي سيولدها التعافي؟ إذا كانت الإجابة نعم، فإن الانفتاح قد يتحول إلى نهضة اقتصادية. أما إذا أصبح النمو مجرد ارتفاع في قيمة الأصول والأرباح بينما بقيت الأجور والقوة الشرائية وفرص العمل متأخرة، فإن سورية لن تكون قد بنت اقتصاداً جديداً. ستكون فقط قد أعادت توزيع اقتصادها القديم بوجوه جديدة. وهنا تحديداً تبدأ المعركة الاقتصادية الحقيقية.

العدد 1218 - 7/10/2026