قرار الصدمة: رفع أسعار المحروقات.. هل نتدارك المنعكسات وبروز احتقانات كلّنا بغنى عنها؟

كتب الباحث الاقتصادي الدكتور زياد عربش:

مرات نادرة نشعر فيها جميعاً بعدم الرغبة في التعليق، لكن قرار رفع أسعار المحروقات (الصادر ليلاً، وسيستيقظ السوريون على وقعه المباغت) ليس مجرد تعديل روتيني في نشرة أسعار؛ إنه قرار بآثار فورية على جيوب الناس، وعلى سلاسل الإمداد، وعلى سعر رغيف الخبز، وعلى نبض الشارع السوري في الأسابيع القادمة.

الجدول يروي القصة: بخبطة واحدة ٤٠% زيادة بسعر المازوت المتزامنة مع ٢٥% البنزين، حيث التضخم وتآكل القدرة الشرائية يعني انتهاء رصيد الأثر الجوهري والإيجابي لزيادة الرواتب. فالمواطن لا يحب تصاريح كهذه: رفعت الأسعار (مؤقتاً) تماشياً مع الارتفاع العالمي وضماناً لاستمرار التوريد.

 

لماذا يُعدّ هذا القرار (صدمة)؟

لا يحتاج القارئ إلى تحليل خبير ليدرك أن القرار ليس (تعديلاً تقنياً)، بل هو صدمة سعرية تمسّ عماد الحياة اليومية:

المازوت، بزيادة 40%، ليس مجرد وقود لشاحنات البضائع؛ إنه شريان النقل الثقيل، وعماد المولدات في المناطق التي تعتمد على الكهرباء الخاصة، ووقود الجرّارات في الحقول. والبنزين، بزيادة تقارب 26%، ليس مجرد سائل يملأ خزان السيارة؛ إنه تكلفة التنقل اليومي للموظف، والعامل، وصاحب المحل، وسائق التاكسي والميكروباص. أما الغاز المنزلي والصناعي، فزيادته الأقرب إلى 9% تضغط على الأسر والمشاغل الصغيرة التي تعتمد عليه للطهي والتسخين.

النتيجة المتوقعة ليست مجرد (غلاء وقود)، بل موجة غلاء متتالية (Cost-push inflation)   تنتقل من محطة الوقود إلى شاحنة البضائع، ثم إلى سوق الهال، ثم إلى مائدة العائلة. لأن شريحة واسعة من السلع الأساسية تُنقل براً، وتتأثر مباشرة بسعر المازوت والبنزين.

 

النقل: أسابيع

ستغيّر خريطة التنقل

لن تمرّ أيام كثيرة قبل أن نسمع عن رفع أجور المواصلات بنسب تتراوح بين 20 و35%، خصوصاً في خطوط الضواحي والمحافظات. شاحنات البضائع، ستحمّل جزءاً من كلفة الوقود الإضافية على أسعار الجملة، ما ينعكس على سعر السلع في الأسواق. وفي المناطق التي تعتمد على المازوت أو الديزل لتوليد الكهرباء عبر المولدات الخاصة، سترتفع كلفة الاشتراك الشهري أو سعر الكيلوواط/ساعة، ما يضغط على المحال والمنازل معاً.

تقديري العملي: إذا استقرّ السعر الجديد لمدة فإن أي شاحنة تقطع 300 كم يومياً ستشهد ارتفاعاً في كلفة الوقود اليومي بنسبة تقترب 35–40%، بالتالي رفع الأجور فوراً، من دون انتظار تعميم رسمي.

 

الخبز: الأرقام تتحوّل معاناة

هنا يكمن (الخوف الأكبر). الخبز ليس سلعة عادية؛ إنه خط أحمر في أي مجتمع، وفي سورية تحديداً، حيث لا تزال ربطة الخبز المدعومة تمثل شبكة أمان لعشرات الآلاف من الأسر. والخبز مرتبط بالمازوت عبر ثلاث حلقات لا فكاك منها: نقل القمح والدقيق من المطاحن إلى المخابز، وتشغيل المخابز نفسها في حال الاعتماد على المازوت أو الغاز للتسخين، وتوزيع الرغيف إلى الأفران ونقاط البيع.

حتى لو بقي سعر الربطة المدعومة رسمياً كما هو، فإن الضغط سيقع على الخبز الحرّ (غير المدعوم)، فمن المتوقع ارتفاع سعر الربطة بنسبة 15–25% خلال أسبوع إلى أسبوعين، تبعاً لمدى سرعة انتقال كلفة الوقود إلى سلسلة التوريد. والأخطر من ذلك، إذا لم يُرافق القرار زيادة في حصص المخابز أو تحسين توزيع المازوت، قد تعود طوابير الخبز في بعض المناطق، خاصة مع تزايد هجرة العمالة من القطاع العام نحو أعمال أخرى.

باختصار: حتى لو لم يُعلَن رفع سعر الربطة المدعومة، فإن (سعر الجيب) للمواطن سيرتفع عبر الخبز الحرّ والنقل والغلاء العام.

 

المخاوف من انزلاقات مجتمعية

وأتمنى أن أكون مخطئاً كما ذكرت على عدة فضائيات.

ما يخشاه كثيرون، وأنا منهم، هو أن تضيف هذه الزيادة الحادة وقوداً جديداً إلى الاحتقان الاجتماعي الذي لم يهدأ بعد. والمنعكسات المتوقعة للقرار ستضيف إلى الاحتقان الحالي احتقانات جديدة: غلاء المواصلات، غلاء المواد الأساسية، ضغط على الدخول الثابتة، وشعور متزايد بأن الفاتورة تُحمّل دائماً للطرف الأضعف.

ولا يمكن فصل هذا القرار عن سعر الصرف؛ فأي تدهور جديد في قيمة الليرة سيعمّق أثر رفع المحروقات، والعكس صحيح. في شهر المدارس والمونة، حيث تكون الأسر أصلاً على أقصى حدود طاقتها المالية، تأتي هذه الزيادة لتقلّص هامش الأمان المتبقي. وفي الريف، المزارع لم يعد يخرج بمدخرات تكفيه للزرع؛ فبين أسعار الأسمدة والكبريت، وكلفة ضخ المياه، وارتفاع أجور النقل، أصبحت المعادلة الزراعية أشبه بمقامرة خاسرة سلفاً.

إذا ما اجتمعت هذه الضغوط، فإن الخطر ليس اقتصادياً فقط، بل أصبح الخطر مجتمعياً وأمنياً أيضاً. لأن الجوع واليأس، حين يتحولان إلى قناعة جماعية بأن (لا مستقبل)، يتحولان بسهولة إلى وقود للاضطراب.

تصريح وزير الطاقة: (عجز الكهرباء تجاوز مليار دولار)

في جلسة مغلقة استمرت نحو ساعتين، كشف وزير الطاقة عن حجم التحديات التي تواجه قطاع الطاقة، مؤكداً أن معالجة الملفات الحالية تحتاج إلى سنوات واستثمارات كبيرة، إلى جانب تعاون المواطنين والالتزام بدفع الفواتير والحد من الهدر. وأوضح أن ملف الكهرباء يمثل أحد أكبر التحديات، في ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج مقارنة بالأسعار الحالية، إضافة إلى عدم تحصيل الفواتير والهدر والسرقات، ما أدى إلى عجز تجاوز مليار دولار.

في ملف النفط، أشار إلى أن سورية تنتج حالياً نحو 100 ألف برميل يومياً، مقابل احتياجات تصل إلى 350 ألف برميل، فيما يبلغ إنتاج الغاز نحو 7.5 ملايين متر مكعب يومياً، مقابل حاجة تقدر بـ22 مليون متر مكعب لتوليد الكهرباء، لافتاً إلى أن جزءاً من النقص يجري تعويضه عبر الاستيراد من الأسواق العالمية. وتوقع استمرار ارتفاع أسعار النفط لنحو شهرين أو أكثر، ريثما تعود المصافي إلى العمل بطاقة أكبر، في ظل أعمال الصيانة ونقص الإمدادات في الأسواق العالمية.

فهذه الأرقام صحيحة. لكن هناك ملاحظات ضرورية لا يمكن تجاهلها:

أولاً، الربط بين عجز الكهرباء ورفع المحروقات ليس تلقائياً. عجز الكهرباء نتاج مزيج من: تسعير غير واقعي للكهرباء، ضعف التحصيل، الهدر وتكاليف إنتاج مرتفعة. رفع أسعار المحروقات يحسّن جزئياً معادلة استيراد الوقود وتوليد الكهرباء، لكنه لا يحلّ مشكلة التحصيل والهدر وفي الشبكة.

ثانياً، القول إن (الحل يحتاج سنوات) صحيح، لكن المواطن يعيش اليوم. الحديث عن مشاريع بآفاق 3–7 سنوات لا يبرّر تحميل المواطن كامل فاتورة العجز عبر رفع فوري وحاد لأسعار المحروقات. من المنطقي أكثر ربط أي رفع بمسار واضح ومعلن لإصلاح الشبكة (عدادات ذكية، خفض الفاقد، حملات تحصيل، مشاريع الطاقات المتجددة)، وليس الاكتفاء بوصف حجم الكارثة.

ثالثاً، فجوة الإنتاج/الاحتياج: 100 ألف برميل مقابل 350 ألفاً. هذه الفجوة الهائلة تعني أن سورية ستبقى مستوردة صافية للنفط والغاز لسنوات. في هذه الحالة، كل قرار تسعير يجب أن يُقرأ ضمن سيناريو (إدارة ندرة) وليس (إصلاح هيكلي سريع). رفع الأسعار قد يخفّض الطلب قليلاً، لكنه لا يخلق برميلاً إضافياً واحداً.

رابعاً، دعوة المواطنين (للدفع والحد من الهدر) يجب أن تقابل بشفافية. إذا طُلب من المواطن دفع فواتير أعلى وتحمل غلاء المحروقات، فمن حقه معرفة: كم يُهدر فعلياً في الشبكة؟ ما نسبة التحصيل اليوم؟ ما الخطة الزمنية الملموسة لتركيب العدادات الذكية وخفض الفاقد؟ بدون أرقام ومؤشرات أداء معلنة، نقترب من (خطاب تقشّف) من طرف واحد.

نعم، قطاع الطاقة في وضع كارثي ويتطلب استثمارات ووقتاً، لكن قرار (الصدمة) في المحروقات يجب أن يكون جزءاً من خطة إصلاح متكاملة ومعلنة، لا مجرد إجراء لتخفيف العجز على حساب القدرة الشرائية للمواطن، خاصة في ملفّين حسّاسين مثل النقل والخبز.

المواطنون، بعد سنوات من الحرب والغلاء والنزوح، لم يعودوا يملكون رفاهية انتظار (سنوات) أخرى ليروا نور الإصلاح.

عن موقع (الاقتصاد اليوم)

العدد 1218 - 7/10/2026