ثمة سيناريو حول الشرق الأوسط يحيكه ترمب ونتنياهو وبعض العرب؟؟

د. نهلة الخطيب:

الانتخابات النصفية الأمريكية تُجرى بعد عامين من ولاية الرئيس، ويتركز اهتمام هذه الانتخابات على الكونغرس بمجلسيه النواب والشيوخ، وتعد هذه الانتخابات نوعاً من الاستفتاء على أداء الرئيس وحكومته بعد عامين من توليه السلطة، ويتقرر عنها الكثير من التفاصيل للمراحل القادمة، إذْ يتحدد الحزب والمرشح الفائز في الانتخابات الرئاسية القادمة، في حال خسارة الانتخابات العامين القادمين سيشهدان حالة من الشلل السياسي، فلن يستطيع ترامب وحزبه تمرير أي قوانين أو موازنات دون مساعدة الحزب الديمقراطي وسيتحول ترامب إلى رئيس محدود الصلاحيات حتى انتهاء مدته الرئاسية، وفي ظل هذا المناخ المتوتر فإن المخاوف من الانهيار والانقسام في المجتمع الأمريكي خطيرة جداً.

في خضم مشهد سياسي يزداد صعوبة مع اقتراب موعد الانتخابات النصفية (أقل من شهرين) ترامب مجسداً حكم الفرد في دولة عظمى تتغنى بالديمقراطية يواجه تحديات كبيرة هو وحزبه، فقد انخفضت نسبة تأييده وشعبيته بصورة تدعو للقلق، فمعظم استطلاعات الرأي ترجح تفوق الديمقراطيين بالأغلبية مما يصعب مهمة الجمهوريين، وهي مرتبطة بتراجع الأوضاع الاقتصادية الداخلية وارتفاع أسعار الوقود والسلع الاستهلاكية وعجزه عن كبح جماح التضخم. الأصوات تعلو ضد السياسات الخارجية بالشرق الأوسط وعدم وضوح الرؤية الاستراتيجية وطريقته في التعامل مع حروب المنطقة واستمرار الحرب على إيران وإغلاق مضيق هرمز والعقوبات الاقتصادية التي فُرضت على روسيا وإيران، والتي أثرت بشكل كبير على ارتفاع أسعار البنزين الذي لن يتغير في المستقبل القريب حسبما يرى محللون اقتصاديون (أزمة الوقود الكبرى قد بدأت فعلياً) تعكس مزاج الناخب الأمريكي وما يهم الناخب الآن هو سعر البنزين.

في كل الحروب بالمنطقة تجد أمريكا وإسرائيل (ترامب ونتنياهو) وربطها بالانتخابات، أزمة حقيقية تقابلها إيران بفرض شروطها: إيقاف الحرب على كل الجبهات، وإنهاء العقوبات والحصار البحري، والإفراج عن الأموال، والتلويح بورقة الانسحاب من معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية.

في خطوة تعكس رعباً من تأثير خسائر الحرب وأسعار الوقود على نتائج الانتخابات، ترامب أعلن أن الحرب على إيران ستنتهي قريباً بعد انتخابات الكونغرس، وتداعياتها مؤقتة (نحن نقترب من منعطف حاسم في المواجهة مع إيران يتعلق باستئناف هجمات واسعة النطاق، أواجه قراراً كبيراً بشأن الدخول والقضاء على النظام الإيراني وكل الاحتمالات واردة)، لكنه لا يدري أنه بدأ الحرب ولكنه لا يدري أنه لن يستطيع إنهاءها، ولو كان القرار مرتبطاً بالإرادة الأمريكية والإسرائيلية لما استمرت الحرب إلى الآن، مرحلة متقدمة من الخنق الاقتصادي لإضعاف إيران، ولكن هناك محاذير أنه لا يمكن المجازفة بضربة عسكرية.

الوضع يزداد تعقيداً تعكسه انسداد قنوات التفاوض مما يغلق الباب أمام التسويات السياسية في اللحظة الراهنة، عقوبات جديدة على روسيا مع اقتراب اندلاع المواجهة المباشرة مع أوربا، وتحذر روسيا كلاً من بريطانيا وفرنسا وألمانيا وبولندا المتورطين في التخطيط والدعم، حظر وسائل إعلام أمريكية كبرى من دخول البيت الأبيض وتقييد تغطيتها واتهامها بالفساد يعكس تخبط إدارة ترامب إلى تمديد بقاء القوات في الشرق الأوسط يدل على اتخاذ قرار الحسم وبالقوة المميتة تزامناً مع عقد صفقة مع إسرائيل بقيمة 2.8 مليار دولار لتزويدها بقنابل تزن الواحدة 1000 كغ لتقتل من؟!! نتنياهو يصعّد على كل الجبهات بما يضمن بقاءه في السلطة واستكمال المشهد لخلق منطقة عازلة في غزة والضفة وسورية وتدمير قرى الجنوب اللبناني استراتيجية الأرض المحروقة بأسلحة أمريكية تحسباً لانفجار الجبهة الإقليمية الكبرى التي قد تخلط الأوراق وتعيد توزيع قدراته الدفاعية المستنزفة أساساً.

أدارت أمريكا لقاءً عسكرياً موسعاً شاركت فيه دول عربية وإسرائيل بعد تصاعد التوتر بين السعودية والحوثيين والفشل في استدراج تركيا وباكستان، ما معنى التحالف الثلاثي إذا لم تتدخل في حماية الرياض؟! فكأنهم يمهدون الطريق أمام إقامة إسرائيل الكبرى دون السعي لحل أسباب هذا التصعيد، من أشعل المنطقة ومن المستفيد؟ طبعاً إسرائيل، ترامب يريد شرقاً أوسط جديداً متوجاً نتنياهو لقيادته ويخطط لإغراق العالم بالنفط الفنزويلي، فإغلاق المضيقين هرمز وباب المندب مع تدمير مصافي السعودية ودول الخليج واستهداف أوكرانيا لمصافي ومحطات النفط الروسية يجفف إمدادات الصين النفطية لترويج النفط الفنزويلي والتحكم بشريان الطاقة للصين وأوربا.

تفصيلات مجهولة وتبديل اللاعبين مع قواعد لعب جديدة، ولكن أمريكا حالياً في مأزق صعب. ترامب محاصر بجماعات الضغط في الداخل الأمريكي والرقابة الشديدة لأدائه من أعضاء الكونغرس وكبار الجنرالات والديمقراطيين والصحافة والرأي العام، التجارة الدولية والمضائق والمتربصون بانهياره الصين وروسيا تذبذب مواقف الأوربيين تجاه سياسات ترامب، فضلاً عن الحالة الصحية والضعف التدريجي في ذاكرته، ترامب يرى الحسم في الحل العسكري فهو يحتفظ بموقف بما يؤمن رضا إسرائيل عنه، فأمريكا في الموسم الانتخابي تنتهج منطقاً مزدوجاً ومتناقضاً في قضايا الشرق الأوسط، وإثبات الولاء لإسرائيل هو الميثاق الذي يبقيهم في مناصبهم وهذا ما يبين مدى تغلغل القرار الصهيوني في الإدارة الأمريكية الحالية، أراد ترامب معاقبة فلسطين وحجب صوتها من أعلى منير دولي ومنع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس من حضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، فقوبل بإجماع دولي لرفض هذا القرار، فكان بمثابة استفتاء فازت فيه فلسطين وخسر فيه ترامب وإدانة متجددة لنتنياهو، ولكن يبدو أن هناك سيناريو حول الشرق الأوسط يحيكه ترامب ونتنياهو وبعض العرب؟!

العدد 1216 - 23/09/2026