(الإجراء المؤقت) الذي كشف الهشاشة الدائمة
الحكومة السورية المؤقتة ووزارة الطاقة تتحملان مسؤولية أزمة الوقود
علي شوكت:
في صباح يوم الأحد 13 أيلول (سبتمبر) 2026 استيقظ السوريون على نشرة أسعار جديدة للمشتقات النفطية حملت معها زيادات تراوحت بين 25% و40%، فقد ارتفع ليتر المازوت من 125 ليرة إلى 175 ليرة، وبنزين 95 من 152 إلى 195 ليرة، وأسطوانة الغاز المنزلي من 1470 إلى 1600 ليرة.
لم تكن هذه الزيادة الأولى خلال الشهر بل كانت الثانية، لكنها كانت الأقسى، وبعد ساعات قليلة من انتشار القرار، اشتعلت الاحتجاجات في مدن ومناطق عدة (الحسكة ودير الزور والرقة وريف حلب وإدلب ودرعا) وقُطعت الطرق وأُحرقت الإطارات.
تبرير وزارة الطاقة جاء جاهزاً، فصرحت أن الارتفاع استثنائي في كلفة تأمين المشتقات النفطية عالمياً وتوقف مصفاة بانياس لأعمال صيانة تستمر شهرين، مما رفع الحاجة إلى الاستيراد. وقال مدير الإعلام في الوزارة عبد الحميد سلات إن الوزارة تدرك العبء الذي يشكله القرار على المواطنين، لكن بيع المشتقات بأقل من كلفتها يؤدي إلى استنزاف الأموال المخصصة لاستمرار التوريد.
لكن هذا التبرير مهما بدا متماسكاً على مستوى الحسابات الآنية لا يعفي الحكومة ووزارة الطاقة من مسؤولية مباشرة وكاملة عن الوصول إلى هذه النقطة الفارق بين ارتفاع عالمي بنسبة 9% في خام برنت وزيادة محلية تصل إلى 40% ليس مجرد رقم. إنه مؤشر على هشاشة مكشوفة وعلى غياب أي خطة احتياطية أو مخزون استراتيجي كان يمكن أن يمتص الصدمة بدلاً من تمريرها كاملة إلى المواطن.
الحقيقة التي اعترف بها وزير الطاقة محمد البشير نفسه أن إنتاج سورية من النفط الخام يبلغ نحو 100 ألف برميل يومياً بينما تصل الحاجة المحلية إلى 300 ألف برميل يومياً. هذه الفجوة التي تبلغ 200 ألف برميل يومياً ليست وليدة اللحظة. إنها نتيجة سنوات من الإهمال والتآكل في البنية التحتية للقطاع النفطي وغياب الاستثمار في التكرير والتنقيب والتأهيل. والاعتماد على الاستيراد لتغطية ثلثي الاحتياج ليس خياراً استراتيجياً بل نتيجة اضطرارية لضعف الإنتاج المحلي.
والأسوأ من ذلك أن جزءاً كبيراً من النفط السوري المنتج هو من النوع الثقيل الذي لا تستطيع المصافي القائمة معالجته بكفاءة مما يضطر البلاد إلى تصدير جزء من خامها واستيراد مشتقات جاهزة بأسعار أعلى. هذه المعادلة الخاسرة كانت معروفة ومعلنة لكن لم تُتخذ إجراءات جدية لتصحيحها.
عندما دخلت مصفاة بانياس في صيانة شاملة انكشف حجم الاعتماد على منشأة واحدة، ولم يكن هناك مخزون استراتيجي كافٍ لتغطية فترة التوقف، ولم تكن مصفاة حمص قادرة على تعويض النقص ولم تكن هناك خطة بديلة لشراء المشتقات بأسعار تفاوضية مسبقة، فكانت النتيجة لجوءاً فورياً إلى السوق العالمية بأسعار مرتفعة وتحميل المستهلك الفارق كاملااً.
وزارة الطاقة تقول إن الصيانة تهدف إلى رفع الطاقة الإنتاجية من 80 ألف برميل إلى 130 ألف برميل يومياً، لكن لماذا لم يُبنَ احتياطي كافٍ قبل بدء الصيانة؟
ولماذا لم يُعلن جدول زمني واضح وآليات تعويض للفئات المتضررة؟
الإجابة المفقودة تكشف غياب التخطيط الاستباقي.
(المؤقت) وأثره الدائم
وصفت الوزارة الزيادة بأنها (مؤقتة) لكن كلمة (مؤقت) في السياق السوري فقدت مصداقيتها. فقد سبقت هذه الزيادة زيادات أخرى خلال الأشهر الماضية بل إن الشهر نفسه شهد زيادتين. وفي أيار (مايو) الماضي أدت إعادة تسعير المحروقات إلى ارتفاع شهري في مؤشر أسعار المستهلك بنسبة 6% وارتفع مؤشر مجموعة السكن والوقود بنسبة 58.5% سنوياً.
خبراء الاقتصاد يحذرون من أن الزيادة المفاجئة ستؤدي إلى موجة تضخمية جديدة، فسترتفع تكاليف النقل والإنتاج وترتفع أسعار السلع والخدمات. في ظل أجور لا تغطي سوى جزء محدود من الاحتياجات. هذا ما حدث بالفعل في الحسكة حيث ارتفعت أجور النقل داخل المدينة إلى 50 ليرة، وبين المدن إلى 500 ليرة.
وارتفع سعر خزان المياه إلى 750 ليرة للمتر المكعب. الأثر لم يتوقف عند هذا بل انتشر إلى كل شيء.
الاحتجاجات التي اندلعت في معظم المحافظات الشرقية والشمالية لم تكن رد فعل على قرار واحد، بل على تراكم سنوات من الضغط المعيشي. إذ يعاني السكان أصلاً من تدهور اقتصادي وأمني جاء رفع الأسعار كصدمة إضافية.
المحتجون طالبوا بإقالة وزير الطاقة والتراجع عن القرار. وشهدت الاحتجاجات قطع طريق M4 الدولي أمام صهاريج النفط الخام ومنع مرور الشاحنات وإضراباً لسائقي النقل الداخلي في حلب.
الاحتجاجات على ارتفاع الاسعار هي تعبير عن يأس من منظومة كاملة تتعامل مع المواطن كمتغير تابع في معادلات التكلفة.
الحكومة ووزارة الطاقة تتحملان مسؤولية مباشرة عن هذا الوضع. ليس لأن الزيادة (خطأ) في حسابات العرض والطلب، بل لأن الوصول إلى نقطة اللاعودة كان ممكناً تجنبه. المسؤولية والتي تتمثل في:
١- غياب المخزون الاستراتيجي: لم تُبنَ احتياطيات كافية لمواجهة توقف مصفاة واحدة رغم أن هذا الاحتمال كان وارداً ومتوقعاً.
٢- غياب خطة بديلة: لم تُبرم عقود توريد مسبقة بأسعار تفاوضية ولم تُنشأ آلية لامتصاص الصدمات.
٣- غياب حماية الفئات الهشة: لم تُعلن أي تدابير تعويضية أو دعم موجّه للفقراء رغم أن الزيادة تأتي في ظل خط فقر مدقع يقترب من 3.4 ملايين ليرة شهرياً للأسرة.
٤- غياب الشفافية: قرار اتُخذ بعد اجتماع مغلق مع إعلاميين مُنعوا من التصوير والتسجيل، ثم فوجئ الناس بالنشرة في منتصف الليل.
٥- الاستمرار في الإجراءات المؤقتة: كل زيادة تُوصف بالمؤقتة ثم تليها زيادة أخرى دون جدول زمني واضح للعودة أو تعويض.
لا ينكر أحد أن سورية تواجه أزمة طاقة حقيقية وأن الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك هائلة، وأن الاعتماد على الاستيراد عبء ثقيل. لكن إدارة أزمة بهذا الحجم لا تعني الاستسلام لها بل تعني التخطيط المسبق وبناء الاحتياطيات وحماية الفقراء وإشراك الناس في التحمل بدلاً من إلقاء العبء كاملاً عليهم.