رفع أسعار المحروقات في سورية.. بين ضرورة إصلاح الطاقة وخطر الصدمة التضخمية
سليمان أمين:
لم يعد رفع أسعار المحروقات في سورية مجرد تعديل دوري في نشرة الأسعار، ولا قراراً محاسبياً يمكن قياس نتائجه فقط من خلال الإيرادات التي قد تدخل إلى الخزينة. الزيادة الجديدة، التي رفعت سعر البنزين بنحو 30% والمازوت بنحو 40%، تأتي في اقتصاد يعاني أصلاً من ضعف القدرة الشرائية، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وهشاشة سلاسل التوريد، ولذلك فإن أثرها الحقيقي سيتجاوز محطات الوقود إلى معظم مفاصل النشاط الاقتصادي.
من منظور علم الاقتصاد، نحن أمام ما يمكن وصفه بـصدمة تكلفة، أي ارتفاع في أحد المدخلات الأساسية للإنتاج والنقل يؤدي إلى انتقال جزء من التكلفة الجديدة إلى أسعار السلع والخدمات. وتزداد خطورة هذه الصدمة عندما تحدث في اقتصاد يمتلك هوامش محدودة لامتصاص التكاليف، وتكون فيه الدخول الاسمية أبطأ من حركة الأسعار. المشكلة، إذاً، ليست في السؤال عما إذا كان سعر المحروقات يحتاج إلى مراجعة، بل في كيفية تنفيذ هذه المراجعة، وتوقيتها، ومن يتحمل تكلفتها، وما الذي سيحصل عليه الاقتصاد والمواطن في المقابل؟
الطاقة: أرقام صعبة تفرض الإصلاح
من الصعب تجاهل الأزمة البنيوية التي يعيشها قطاع الطاقة. فبحسب الأرقام التي أُعلنت رسمياً، يبلغ إنتاج سورية من النفط نحو 100 ألف برميل يومياً، مقابل احتياجات تصل إلى نحو 350 ألف برميل، فيما يقدّر إنتاج الغاز بحوالي 7.5 ملايين متر مكعب يومياً، مقابل حاجة تقارب 22 مليون متر مكعب لتوليد الكهرباء. هذه الفجوة تعني أن الاقتصاد السوري لا يواجه مشكلة سعر فقط، وإنما مشكلة ندرة في الموارد المحلية وارتفاع في تكلفة تأمينها. وعندما تضطر الدولة إلى استيراد جزء كبير من احتياجاتها من الطاقة في ظل أسعار عالمية متقلبة، يصبح استمرار الأسعار المدعومة أو المنخفضة عن التكلفة عبئاً مالياً متزايداً. كما أن العجز المعلن في قطاع الكهرباء، والذي تجاوز مليار دولار، يعكس خللاً أوسع من مجرد سعر الوقود. فالكهرباء تعاني من انخفاض التحصيل، والهدر الفني وغير الفني، وضعف البنية التحتية، وارتفاع تكاليف الإنتاج، إضافة إلى الفجوة الكبيرة بين كلفة الخدمة وما يدفعه المستهلك. لذلك فإن رفع أسعار المحروقات يمكن أن يكون جزءاً من معالجة الاختلال المالي، لكنه ليس إصلاحاً بحد ذاته.
المشكلة الاقتصادية تبدأ بعد محطة الوقود
المازوت يحتل موقعاً مركزياً في الاقتصاد الحقيقي. فهو يدخل في النقل الثقيل والزراعة وبعض العمليات الصناعية وتشغيل المولدات، وبالتالي فإن زيادة سعره لا تتوقف عند المستهلك الذي يعبئ خزاناً. فالشاحنة التي تنقل الخضار أو الحبوب أو المواد الصناعية ستتحمل تكلفة أعلى. والمزارع الذي يستخدم الوقود لضخ المياه أو تشغيل الآليات الزراعية سيدفع أكثر. والمحل الذي يعتمد على مولدة خاصة سيواجه ارتفاعاً في تكاليف التشغيل. وكل هذه الزيادات ستبحث في النهاية عن طريقها إلى السعر النهائي. وهنا تظهر آلية التضخم المدفوع بالتكاليف (Cost-Push Inflation). فالمنتج قد لا يكون راغباً في رفع سعر سلعة ما، لكنه يجد نفسه مضطراً لذلك عندما ترتفع تكلفة النقل والطاقة والمواد الأولية.
أما البنزين، فارتباطه بالمستهلك النهائي أكثر مباشرة، لأنه يدخل في تكلفة التنقل وسيارات الأجرة والخدمات المرتبطة بالنقل الفردي. وبالتالي فإن أثره قد يظهر سريعاً في أجور النقل وبعض الخدمات، قبل أن يتوزع تدريجياً على قطاعات أخرى. ولكن من المهم اقتصادياً عدم الوقوع في خطأ شائع: ليس كل ارتفاع في أسعار المحروقات يتحول آلياً إلى ارتفاع مماثل في أسعار السلع. حجم الانتقال يعتمد على حصة الوقود من التكلفة الإجمالية، والمنافسة في السوق، وهوامش الأرباح، وسعر الصرف، وتوافر البدائل، وحجم الطلب.
التضخم لا يقاس بسعر الوقود وحده
الخطر الأكبر هو تزامن القرار مع اقتصاد يعاني من تآكل القوة الشرائية. فالأسرة لا تنظر إلى سعر المازوت كرقم منفصل، إنها تنظر إلى مجموع ما تدفعه في النقل والغذاء والكهرباء والدواء والتعليم.
ولهذا فإن الأثر الاجتماعي للقرار قد يكون أكبر من أثره الحسابي المباشر. إذا ارتفعت تكاليف النقل، فإن ذلك يؤثر في العامل الذي يحتاج إلى وسيلة نقل يومية، وفي الطالب، وفي صاحب المتجر، وفي الموظف الذي يتنقل بين المنزل والعمل. وإذا ارتفعت كلفة نقل المنتجات الزراعية، فإن المستهلك قد يدفع جزءاً من هذه الزيادة في السوق. وهنا تظهر قضية الأجور الحقيقية. فزيادة الراتب لا تعني بالضرورة تحسناً في مستوى المعيشة إذا ارتفعت الأسعار بمعدل أسرع. القيمة الاقتصادية الحقيقية للدخل تقاس بقدرته الشرائية، لا برقم الراتب الاسمي. وبالتالي، فإن أي سياسة لرفع أسعار الطاقة يجب أن تُقرأ بالتوازي مع سياسة الأجور والحماية الاجتماعية، وإلا فإن الدولة قد تستعيد جزءاً من كلفة الدعم من خلال الأسعار، لكنها تخسر في المقابل جزءاً من الاستقرار الاجتماعي والاستهلاك المحلي.
الخبز.. سلعة لا تحتمل الصدمات
يحتل الخبز موقعاً مختلفاً عن معظم السلع، لأنه ليس مجرد منتج غذائي في الحساب الاقتصادي، بل جزء من شبكة الأمان الاجتماعي. رفع أسعار المحروقات لا يعني تلقائياً ارتفاع سعر الخبز المدعوم، خصوصاً إذا حافظت الدولة على آلية الدعم. لكن كلفة إنتاج الرغيف وتوزيعه تتأثر بالطاقة والنقل، وبالتالي فإن المشكلة قد تظهر بصورة غير مباشرة في الحلقة الكاملة لسلسلة الإمداد. وهنا يجب التمييز بين السعر الرسمي والكلفة الاقتصادية الفعلية. فقد يبقى السعر الرسمي ثابتاً، بينما ترتفع تكلفة وصول السلعة إلى المواطن عبر النقل والبدائل والخبز غير المدعوم. لهذا فإن مراقبة سوق الخبز خلال الأسابيع التالية للقرار ستكون مؤشراً مهماً على قدرة الحكومة على امتصاص الصدمة ومنع انتقالها إلى الفئات الأكثر هشاشة.
هل يكفي رفع السعر لمعالجة عجز الكهرباء؟
الجواب الاقتصادي هو: لا. فقد يساعد رفع أسعار المحروقات في تقليص بعض الاختلالات المالية أو تحسين قدرة المؤسسات على تأمين الوقود، لكنه لا يعالج وحده الفاقد في شبكة الكهرباء، ولا ضعف التحصيل، ولا سرقة الطاقة، ولا تقادم البنية التحتية. بل إن الإصلاح الحقيقي يتطلب سلسلة متكاملة: تحسين الجباية، تركيب عدادات دقيقة وذكية، خفض الفاقد، إعادة تأهيل الشبكات، تحسين كفاءة محطات التوليد، توسيع الاستثمار في الطاقة المتجددة، ووضع تعرفة كهربائية أكثر ارتباطاً بالتكلفة مع حماية الشرائح الأقل دخلاً. والأهم أن يتحول الحديث عن التضحيات إلى عقد اقتصادي واضح بين الدولة والمواطن: إذا ارتفعت الأسعار، فما الذي سيتحسن؟ وما المؤشرات التي يمكن للمواطن مراقبتها؟ وما المدة المطلوبة؟ وما مقدار الانخفاض المستهدف في الهدر؟
الإصلاح الاقتصادي يحتاج إلى ثقة
أصعب ما تواجهه أي حكومة في برامج الإصلاح ليس رفع الأسعار بحد ذاته، وإنما إقناع المجتمع بأن هذه الزيادة جزء من طريق يؤدي فعلاً إلى اقتصاد أكثر كفاءة. فعندما ترتفع الأسعار من دون رؤية واضحة، يتحول القرار في نظر المواطنين إلى عبء إضافي. أما عندما يأتي الرفع ضمن خطة معلنة، تتضمن حماية اجتماعية، ومؤشرات أداء، وجدولاً زمنياً لإصلاح الكهرباء والطاقة، فإن احتمالات قبوله اقتصادياً واجتماعياً تصبح أكبر.
سورية لا تحتاج إلى إنكار أزمة الطاقة، ولا تستطيع اقتصادياً الاستمرار إلى ما لا نهاية في دعم غير مستدام. لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع تحميل المواطن وحده تكلفة سنوات من الاختلالات البنيوية. فالاختبار الحقيقي للقرار ليس ما ستوفره زيادة أسعار المحروقات في الموازنة خلال الأسابيع الأولى، بل ما إذا كانت ستتحول إلى خطوة ضمن إصلاح هيكلي يخفض الهدر، يحسن كفاءة الطاقة، ويعيد بناء الثقة. فرفع السعر قد يكون أداة اقتصادية مشروعة عندما يكون جزءاً من إصلاح شامل. لكنه يصبح مشكلة عندما يتحول إلى بديل عن الإصلاح. وفي اقتصاد منهك، الفرق بين الحالتين ليس تفصيلاً تقنياً، إنه الفرق بين إدارة الأزمة، ونقلها من حسابات الدولة إلى جيوب المواطنين.