غياب البعد الاجتماعي وإنفاق غير مجدٍ اجتماعياً

د. رشا سيروب:

تُظهر بيانات الأداء المالي للنصف الأول من عام 2026 اختلالات هيكلية واضحة في أولويات الإنفاق والتحصيل الضريبي، مما يعكس إغفالاً تاماً للشق الاجتماعي لصالح بنود إنفاق غير مجدية اجتماعياً.

 

أولاً- تشويه أولويات الإنفاق:

ضعف الإنفاق الاجتماعي: لم تتجاوز نسبة الإنفاق الفعلي على الدعم والضمان الاجتماعي 12.76% من مخصصات هذا البند (فقد بلغ الإنفاق 315 مليون دولار فقط من أصل 2,468 مليون دولار مقدرة في الموازنة).

تضخم النفقات الإدارية: في مفارقة تعكس غياب الترشيد، بلغ الإنفاق على النفقات الإدارية أكثر من ثلاثة أضعاف الإنفاق على الدعم الاجتماعي (مسجلاً 1,025 مليون دولار بنسبة تنفيذ بلغت 64.79%). وقد تجاوز هذا البند (يشمل نفقات بنزين سيارات المسؤولين، الضيافة، المؤتمرات، والقرطاسية… إلخ) المخصصات المقررة لـ 6 أشهر بنسبة فاقت 130%، لتكون بذلك البند الوحيد الذي يتجاوز مخصصاته بهذه الطريقة.

أيهما أهمّ: نفقات بنزين سيارات المسؤولين والمؤتمرات والقرطاسية أم الفقراء والطبقات الهشّة؟!!

 

ثانياً- عدالة الإيرادات الضريبية وطبيعة العبء المالي

غياب العدالة الاجتماعية: لم تتجاوز الإيرادات الفعلية من الضرائب والرسوم (غير الجمركية) 10.26% من المقدّر (252 مليون دولار فقط)، متجاهلةً أن الضرائب على الدخل هي الأداة الأكثر نجاعة لتحقيق العدالة الاجتماعية وتقليص الفجوة الطبقية.

تمويل من جيوب الفقراء: بلغت الإيرادات من الرسوم الجمركية 55.50% من المقدّر (1,079 مليون دولار)، ونظراً لأن القسم الأكبر من المستوردات يتركز في السلع الاستهلاكية، فإن المواطن العادي هو من يتحمل العبء الأكبر لهذه الرسوم.

بدلات الخدمات: بلغت الإيرادات من عوائد استثمارات الدولة وبدلات الخدمات (في ظل توقف شبه تام للقطاع العام الاقتصادي، يتركز هذا البند في الرسوم المدرسية والجامعية والخدمات الصحية) التي بلغت نحو 40.54% من المقدّر، مما يشكل ضغطاً إضافياً على القدرة المعيشية للأسر.

إن هذه المؤشرات تعلن رسمياً غياب البعد الاجتماعي للسياسات المالية الحالية، وتستدعي تصحيحاً جذرياً يضع احتياجات المواطنين الأساسية والعدالة الاجتماعية والضريبية في صدارة أولويات صنع القرار الاقتصادي.

* طبعاً يوجد ملاحظات أخرى، بأن الاقتصاد السوري يطرق أبواب العودة للاقتصاد الريعي باعتماده بشكل كبير على العوائد النفطية للمرحلة المقبلة، في ظل عدم إعطاء الاستثمار العام أي أهمية في الوقت الذي لم يأتِ بعد القطاع الخاص ليقلص فجوة انسحاب الدولة من دورها الاقتصادي.

* إضافة إلى عدم تضمين بيانات الصندوق السيادي وصندوق التنمية السوري، ما يكشف وضع المالية العامة للدولة بشكل أكثر وضوحاً.

العدد 1218 - 7/10/2026